النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11888 الإثنين 25 اكتوبر 2021 الموافق 19 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

لا وقت للحقد

رابط مختصر
العدد 11541 الخميس 12 نوفمبر 2020 الموافق 26 ربيع الأول 1442

أعجب من الناس الذين يحقدون ويكرهون ويحسدون، فالحقد والكره والحسد أمراض خبيثة في النفس تورد أصحابها للمهالك في الدنيا والآخرة.

وليس هناك أفضل من نشر المحبة بين الناس، فالمحبة والألفة والتقدير والاحترام جواهر يجب أن نتمسك بها ونعض عليها بالنواجذ لأنها أساس بناء المجتمعات الراقية.

وليس هناك من مضيعة للأزمان والأوقات من زرع الأحقاد والضغائن والفتن بين الناس.. فالحاقد والحاسد يضيِّع الساعات والأيام الطوال وهو يخطط ويتآمر للنيل من خصمه والإيقاع به والإساءة إليه، وهو لا يعلم أن ما يقوم به لا يرضي الله سبحانه وتعالى، ويهد من أسس العلاقة بين أفراد المجتمع.. وكما قال أحد الشعراء:

الحقد داءٌ دفينٌ ليس يحمله إلا جهولٌ ملـيءُ النفس بالعلل

ما لي وللحقد يُشقيني وأحمله إني إذن لغبيٌ فاقدُ الحِيل

ويقول نزار قباني:

هزمنا ومازلنا شتات قبائل تعيش على الحقد الدفين وتثأر

ويقول الداعية الأمريكي مارتن لوثر كنج:

الظلام لا يمكنه أن يبدد الظلام.. الضوء وحده يمكنه ذلك.. والكراهية لا يمكنها أن تبدد الكراهية.. فالحب وحده يمكنه ذلك. 

وما أحوج الإنسان لهذه الأيام والشهور التي يقضيها وهو يخطط للنيل من خصمه.. ما أحوجه لها في تربية أبنائه أو السعي في رزقه، أوفي قضاء منفعة له في العبادة أو القراءة أو تحصيل العلوم.

ولقد امتدح الله المؤمنين الذين صفت نفوسهم وطهرت قلوبهم فلم تحمل حقدًا على أحد من المؤمنين: «لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ»

ولقد عدَّ بعض العلماء الحقد من كبائر الباطن التي ينبغي على المؤمن أن يتنزه عنها وأن يتوب إلى الله منها.. فالعمر لا يتسع لهذه التفاهات من الحقد والحسد التي تبعثر الأصدقاء، فبعثرة الأصدقاء أكثر حماقة من بعثرة المال، وقد يأتي اليوم الذي تلتفت فيه حولك فلا تجد صديقًا لك، لأنك بعثرتهم بسبب زلات وتوافه لا تذكر.

أما علاج الحقد فيكمُنُ في القضاء على سببه الأصلي وهو الغضب، فإذا حدث ذلك الغضب، فعلينا أن نقمعه بالحلم وتذكُّر فضيلة كظم الغيظ، يقول سبحانه وتعلى: «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين»، وأذكر قصة حول هذه الآية وقعت عندما أراد أحد العبيد أن يغسل يد أحد الخلفاء بعد الانتهاء من الطعام فوقع إبريق الماء في حضن الخليفة، فغضب الخليفة، فقال له العبد: والكاظمين الغيظ، فرد الخليفة: قد كظمت غيضي، فقال العبد: والعافين عن الناس، فأجابه الخليفة: قد عفوت عنك، فقال العبد: والله يحب المحسنين، فقال الخليفة: اذهب فأنت حر لوجه الله. وعلينا أن نحذِّر أنفسنا من عاقبة الانتقام، وأن نعلم أن قدرة الله علينا أعظم من قدرتنا على الآخرين، وأنه سبحانه بيده الأمر كله، لا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه. 

وقد قال بعض العلماء: «إن فساد القلب بالضغائن داءٌ عُضالٌ، وما أسرع أن يتسرب الإيمان من القلب المغشوش، كما يتسرب السائلُ من الإناء المثلوم».

إن الشيطان ربما عجز أن يجعل من الرجل العاقل عابد صنمٍ، ولكنه يحتال لذلك بإيقاد نار العداوة في القلوب، فإذا اشتعلت هذه النار فإنها تحرق حاضرَ الناس ومستقبلهم، وتلتهم علائقهم وفضائلهم، ذلك أن الشر إذا تمكن من الأفئدة الحاقدة تنافر ودّها وارتد الناس إلى حالٍ من القسوة والعناد، يقطعون فيها ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض.

فلنترك الأحقاد ولنتقيها ولننشر المحبة بين الناس حتى ننعم بمجتمع متحاب و متآلف ومترابط.. اجعل أيام الربيع في حياتك أكثر من أيام الخريف، وأسعد كل الذين حولك حتى تتمتع بسعادتك، وكن اشتراكيًا في حبك فتوزعه على كل الناس، ورأسماليًا في آلامك وهمومك فتحتفظ بها لنفسك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها