النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

كورونــا وعبـــث الصــراع مــع الـــذات

رابط مختصر
العدد 11540 الأربعاء 11 نوفمبر 2020 الموافق 25 ربيع الأول 1442

  • هجمة كورونا لا تختلف عن هجوم من كوكب آخر يستهدف كوكبنا

 

من طبع الحياة أن تحافظ على استمرارية الحياة، وهي قاعدة الوجود الأساسية، والإنسان جزء من الوجود في نشاطه الحياتي، وهو ملزم في جوهر المصير أن يحافظ على استمرارية وجود الجنس البشري، بكل ما أوتي من قوة تميزه عن بقية الكائنات الحية. وما يميز قوة الانسان أمام قوة بقية الكائنات الحية هو قوة العقل، فبقوة العقل، إراديًا، يضمن الإنسان استمرارية وجوده على كوكب الأرض. وجزء من القوة، وهو لا إراديًا، مكنون في طبيعة المادة الحياتية (البيولوجية) التي تتفاعل ذاتيًا للمحافظة على استمرار وجودها بقوة المناعة المغروسة في الذات الحية. هذه هي المقومات الضامنة لاستمرار وجود الانسان و عدم انقراضه، إلَّا إذا جاء قرار انقراض الإنسان بفعل تطورات ميزان القوى في الطبيعة التي قد ترى ضرورة هذا الانقراض حتى لا تختل موازين القوى بين مكونات الطبيعة، فللطبيعة عقلها وإرادتها المكنونة والعصية على إدراكها بقوة العقل البشري. الصراع هو العنصر الأساس في معادلة ضمان استمرارية الوجود. الصراع عملة ذات وجهين، وجه ذاتي (داخلي) ووجه موضوعي (خارجي)، بمعنى الصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان من أجل السيادة، وهو الوجه الداخلي، وصراع الإنسان مع الطبيعة من أجل التكيف مع مقتضيات البيـئة وتحولاتها والمستجدات الطارئة منها مثل الأوبئة وكوارث طبيعية أخرى، وهو الصراع الخارجي. من الطبيعي أنه في ظروف استقرار بيئة الطبيعة أن يركز الانسان على صراعه الداخلي، ويواصل حروبه ومؤامراته بأشكالها المختلفة، من عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية. ومن الطبيعي والبديهي كذلك أن تكون عند الإنسان، في كليته البشرية، أولويات بين الصراعين، فإذا ما اشتدت عليه قوى الطبيعة بفعل المستجدات، مثل الأوبئة، أن يراجع أولوياته ويستجمع كامل قواه البشرية لصد خطر الوباء، استجابة لمعادلة استمرارية الحياة البشرية، لأن الخطر الخارجي يمس المصير الكلي، مما يقتضي التركيز على معالجة الخطر الخارجي مع تأجيل الصراع الداخلي إلى أن يزول الخطر الخارجي ويطمئن الإنسان، ومن الطبيعي كذلك أنه بعد كل تطورات مستجدة أن يراجع الانسان نهج علاقته مع نفسه، ويغير معادلات الصراع بين الحرب والسلام، بالميل أكثر إلى السلام الداخلي، حتى لا يكون ضحية للخطر القادم من خارج دائرة علاقة الإنسان بالإنسان، فهجمة كورونا لا تختلف عن هجوم من كوكب آخر يستهدف كوكبنا بكل ما حمل من طبيعة ذكية وحية وصامتة، من حياة ونبات وجماد، والغزو، كان ما كان ومن أينما كان، يندفع بزخم كاسح وبحماس لا يعرف الرحمة ولا يعترف بها وبتغطية شاملة، فالغزو نار في الهشيم. إذا كان غزو الإنسان للإنسان هو من أجل النهب والاستغلال، كذلك شأن الغزو من كوكب آخر، وكلاهما بقرار واعٍ وهدف محدد واضح، فإن غزو الفيروس (كورونا اليوم) للإنسان ليس بقرار واعٍ ولا بهدف واضح، ولكنه يستهدف مكونا بيولوجيا بعينه، وهو الإنسان مع الغرو الكوروني، وقد يكون المستهدف فصيل بيولوجي آخر مع غزو فيروسي آخر. 

رغم أن الغزو الفيروسي على كامل الكرة الأرضية مازال متواصلاً وبمعدلات تصاعدية من نهاية العام الماضي، والإحصاءات تشير إلى أن عدد الإصابات سيتخطى المائة مليون في غضون ثلاثة أشهر، وأن الوفيات في تصاعد تناسبي مع ازدياد الحالات، إلا أن مسار الصراع مازال على حاله بين الإنسان والإنسان، وكأن البيئة الطبيعية سليمة وصحية مطمئن لها الإنسان دون حاجة إلى مراجعة وجهة الصراع، وضرورة تغيير وجهة الصراعات من الداخل إلى الخارج، من صراع الانسان مع ذاته إلى صراع الانسان مع الغازي. إن الصراع على السلطة في الانتخابات الأمريكية على المستوى العالمي قد أخذ حيزًا من الاهتمام أكثر من انتشار نار كورونا في هشيم البشر، والصراعات الإقليمية، والحروب الأهلية، والحروب الاقتصادية، والمؤامرات المتبادلة بين الدول، مازالت لها الأولوية عند الإنسان، بينما الحبل ما زال على غارب سفينة الوباء، والإنسان لاهٍ بصراع المصالح بين تكتلات ذاته.

فمتى سنحتكم إلى الحكمة المكنونة في المثل الشعبي «أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب»؟.

لا يهم من الفائز في الانتخابات، أو من المنتصر في الصراع مع الذات، فإن السيد الفائز والمنتصر هو فيروس كورونا الذي مازال يتحكم في الجميع ويحقق انتصارات يومًا بعد يوم... وأولوياتنا سكرانة ترقص على أنغام العبث... العبث بمصير الإنسان. المشكلة الرئيسة لم تبرز بعد!!!. الاقتصاد... الإنتاج.... التوزيع... هذه العناصر الثلاثة ستصاب بخلل يتفاقم معه الوضع الأمني، محليًا وعالميًا... لا بد من استباق الخلل بتفعيل قوة العقل جماعيًا من خلال هيئات ومؤسسات دولية، والعمل الجماعي خارج إطار ومقتضيات النظام الاقتصادي والمالي السائد، حتى يمكن التكيف والتعامل مع المستجدات الوبائية بأقل الخسائر الممكنة، وبحيث لا يمس الأمن الاجتماعي على المستوى المحلي والعالمي... الموضوع أعمق كارثية مما يبدو... لا بد من التفكير بجدية في خطوات عملية استباقية، قبل فوات الأوان... لا بد من تحول الصراع من دائرة «أنا وأخي على ابن عمي» إلى دائرة «أنا وابن عمي على الغريب».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها