النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11610 الأربعاء 20 يناير 2021 الموافق 7 جمادى الآخرة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:48AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

أحلام الامبراطوريات البائدة

رابط مختصر
العدد 11536 السبت 7 نوفمبر 2020 الموافق 21 ربيع الأول 1442

الشعبوية الملازمة للتهور بطبيعتها، هي نزعة قومية عدوانية شكلت وتشكل خطورة بالغة على السلام الإقليمي والعالمي، وحتى لا يحدث اختلاط أو سوء فهم، فالاعتداد القومي هو نزوع طبيعي عند البشر، بشرط ألا يصل إلى الاعتقاد بالتفوق العرقي الممتزج بنزوع عدواني على الشعوب الأخرى، ويعتقد أصحاب هذا التوجه المدمر أن لديهم حق تاريخي لبسط نفوذهم في بلدان القوميات والبلدان الأخرى المجاورة، لمجرد أن هذه البلدان كانت تحت سيطرتها يوماً ما بقوة السلاح، وهي في هذه الحالة سيطرة ليس لها شرعية، وتعتبر اعتداءً سافرًا على سيادة البلدان، كما حدث في التاريخ القديم والجديد، خصوصاً في عصر الإمبراطوريات البائدة، وكما حدث في العصر الحديث في الاستعمار الغربي لبلدان آسيا وأفريقيا، وهذا نمط من الاستحواذ والهيمنة انتهى بغير رجعة، لسبب أن هذا الاستحواذ يتجاوز استقلال الدول، ويتجاوز المنطق ولا يتفق مع القيم السوية السائدة والمنتشرة في عصرنا الحالي. 

وحسب تشريعات الأمم المتحدة، فلكل دولة حق السيادة على أراضيها وداخل حدودها القومية، وتجاوز هذه الحدود من دولة أخرى يعتبر عدوانًا سافرًا ترفضه جميع دول العالم، ولا تقرّه التشريعات والمواثيق الدولية. لقد أصبحت هذه الحقيقة التي تهتدي وتلتزم بها كل بلدان الأرض، بديهة يعرفها الجميع، في عصرٍ متقدم، متحضر لأمم تحترم سيادات الدول، وحقوق شعوبها الرافضة للسيطرة الأجنبية على أراضيها. لقد إنتهى عصر الإمبراطوريات، وولى غير مأسوفٍ عليه، فالنظام الإمبراطوري الذي كان ينتهك سيادة الدول، لم يعد مقبولاً في عصر الدولة القومية، ولقد نسي البشر في عصرنا هذا ذلك النموذج السياسي الذي شكّل ويشكل وصمة عار للإمبراطوريات، التي كانت في كل العصور استحواذًا بغير حق على أراضي وبلدان ليست بلدانها، لهذا السبب يبدو هذا الإستحواذ في العصر الحديث فجًّا ومثيرًا للدهشة والإستغراب في عصرنا، عصر حقوق الإنسان والتقارب الأممي بين الشعوب. 

ولقد أدينت الإمبراطوريات كما أدين الاستعمار من قبل جميع دول العالم، وقبل بضعة أسابيع فقط قدّم الرئيس الفرنسي اعتذارًا رسميًا للشعب الجزائري عن فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، وأعتقد أن كل البلدان التي استحوذت على بلدان غير بلدانها في الماضي، يجب أن تعتذر للشعوب التي استحوذت عليها بالقوة العسكرية. ومن المثير للدهشة والقلق أن هذا التوجه المتهور الذي ينم عن عقلية تعيش في الماضي السحيق، وجد له انتشاراً في أقاليمنا العربية، في العقود الأخيرة، في نموذجي إيران وتركيا. ذلك يعني ضمناً أن هاتين الدولتين تعيشان في أحلام وهمية تنتمي إلى عصور متخلّفة في التاريخ البشري، تلك العصور الجاهلية التي لم تعرف الحضارة والمدنية ولا تتفهم لغتها وطبيعتها، إن تلك المسالك أصبحت مستهجنة الآن وتواجه اعتراضاً أممياً شديداً وشاملاً. وهذا النزوع القومي العدواني المتشدد تمثل في العصر الحديث في النازية والفاشية المسؤولتين عن حربين عالميتين أصابت شظاياها كل دول العالم، وكان ضحاياها عشرات الملايين. هذه الشوفينية القومية المنغلقة أيضاً تصاعدت في الغرب في العقود الأخيرة، في نموذج الشعبوية المعادية للشعوب الأخرى. ولا تقتصر أضرار الشوفينية التي نحن بصددها، على كراهية القوميات والنظر إليها بدونية، بل تتعدى ذلك إلى العدوان وبسط السيطرة، كما هو واضح وفاضح في النموذج الإيراني والتركي. والملاحظ على هاتين الدولتين ذلك التشابه الكبيرفي الرغبة الشديدة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لاستعادة ما تعتبره أمجادًا، وهو في عرفنا الحديث المتحضر ليس كذلك. وشاءت ظروف بلداننا العربية المفككة والمنشغلة بقاضاياها الداخلية الحادة، أن تصبح لقمة سائغة لهاتين الدولتين. 

والملاحظة الثانية أن هناك تشابهًا كبيرًا بين الدولتين، فكلاهما اعتمدتا على الغطاء الديني المذهبي، الذي قسم العالم العربي إلى طائفتين متناحرتين تسعيان لتدمير بعضهما بعضًا. الزعيم أردوغان أراد أن لا يفوته نصيب من الدول العربية لاستعادة الهيمنة العثمانية التي كانت وبالاً على العرب، فراح يتخبط بتهور واضح، ويعتدي ويتجاوز الحدود، ويدفع جيشه في كل الاتجاهات عربيًا، بعد أن نصبه زعماء الإسلام السياسي سلطانًا للمسلمين؛ فهو يتوغل في الأراضي السورية، ويرسل مرتزقته وأسلحته إلى ليبيا، ويهاجم مصر، ويمد ذراعه على العراق ثم يصل جنوده إلى الخليج العربي في دولة قطر، ولا يكتفي باعتدائه على السيادة العربية فقط، فيعادي جيرانه غير العرب، ويبحث عن النفط والغاز في مياه إقليمية تابعة لليونان وقبرص، ليثير حفيظة الاتحاد الأوروبي الذي لديه اختلافات حادة مع تركيا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها