النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11692 الإثنين 12 ابريل 2021 الموافق 29 شعبان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:57AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    5:59PM
  • العشاء
    7:29PM

كتاب الايام

سامي الدروبي علامة فارقة في سيرة الترجمة إلى العربية

رابط مختصر
العدد 11536 السبت 7 نوفمبر 2020 الموافق 21 ربيع الأول 1442

دائمًا ما يقترن اسم سامي الدروبي بروايات عميد الأدب الروسي فيودور دستويفسكي، حيث قدم للمكتبة العربية أشهر الترجمات للأعمال الكاملة للأديب الروسي، فضلاً عن ترجمته لأدباء روس آخرين أمثال: تولستوي، وليرمنتوف، وبوشكين وغيرهم.

لم يقدم سامي الدوروبي وهو ما تؤكد عليه العديد من الدراسات فقط للثقافة، بل الرؤية الحية والدرس الأبدي، بأن العمل في أي مجال هو مساهمة لبناء البلاد والعقل والانسان، حياته كانت درس حرية من نوع آخر من الصعب والمستحيل على أصحاب العقول المحدودة استيعابه.

بدأ سامي الدروبي الأديب والناقد والمترجم والدبلوماسي السوري حياته العمل معلمًا بالتعليم الابتدائي قبل أن يوفد إلى مصر لدراسة الفلسفة، بعد تخرجه عمل الدروبي معيدًا بجامعة دمشق ثم أوفد إلى فرنسا لدراسة الدكتوراه في الفلسفة وبعد عودته عين استاذًا لعلم النفس ثم وزيرًا للمعارف.

ساعدت الدروبي دراسته للفلسفة وعلم النفس في فهم عميق لأدب دستويفسكي وتقربه للقارئ العربي فكان يركز كثيرًا في روايته على اللاوعي لدى أبطاله، وتحليل النفس البشرية.

أتم سامي الدروبي قراءة أعمال دستويفسكي وهو في عمر السادسة عشرة، كان يترجم من اللغة الفرنسية وليست الروسية، وكانت رؤيته للترجمة رسالة سامية وليست وظيفة يتكسب منها، فكان إذا أعجبه عمل أدبي قام بترجمته مجانًا، جاء ذلك في تعليق لموقع «Farshetkotob» والمطلع على ما كُتب عن الدروبي المولود في عام 1921 كان يستشهد دومًا بالمفكر الألماني قائلاً بأن «دستويفسكي علمني شيئًا عن النفس الإنسانية» ينتهى إلى انه علامة فارقة في سيرة الترجمة إلى العربية إلى جانب ترجماته في الأدب والفلسفة والسياسة والتربية وعلم النفس، نشر العديد من الكتب والمقالات التي تدور حول العلاقات بين الأدب وعلم النفس.

ولعل أصدق ما قيل عن الدروبي الذي تعقب دوستويفسكي وإدخاله المكتبة العربية يقول الراحل الكبير العميد الدكتور طه حسين: «إنني أقرأ ترجمات الدكتور سامي الدروبي لأعمال الكاملة لدوستويفسكي بإعجاب كبير، إن هذا الإنسان (جهد مؤسسة كاملة) بل أحسن»، وتابع قوله «حين كنت مديرًا عامًا للثقافة في الجامعة العربية أنشأت لجنة من كبار الأدباء لكي ننقل آثار شكسبير إلى اللغة العربية.. ولم نستطع حتى الآن، وقد مضى ثمانية عشر عامًا، على إتمام ترجمة شكسبير، وها نحن نرى شخصًا واحدًا يقوم بهذا العمل الجبار».

لم يكن الدروبي مترجمًا وناقدًا وأديبًا فحسب، بل كان مفكرًا كذلك، عين في أيام دولة الوحدة بين مصر وسوريا مستشارًا ثقافيًا لسفارة الجمهورية العربية المتحدة في البرازيل عامي 1960 – 1961 بعدها عين مندوبًا لسوريا في الجامعة العربية، كما عين أول سفير لسوريا في القاهرة بعد الانفصال.

في كتابها «الدكتور سامي الدروبي مسيرة حياة» كتبت الباحثة السورية بثينة الخير: حمل الدروبي لواء النضال من أجل الحرية والاستقلال ليس في سوريه وحدها، بل على نطاق الوطن العربي.. حيث شكل مع بعض رفاقه وأستاذين من أساتذتهم، عندما كان يتابع دراسته في مصر، نواة لمجموعة مثقفة ساعدت الشعب العربي في ثورته عام 1941 من أجل استقلال العراق وحريته، وتوالت جمع التبرعات وقامت بحملة الإعداد للتطوع لمواجهة المستعمر البريطاني، وشكل في أثناء دراسته في باريس حلقة لدعم الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي عام 1954.

في حرب يونيه /‏ حزيران عام 1967 حينما انقطع المعروف عن عدد لا يستهان به من الطالبات الفلسطينيات في مصر، نراه لا يتجاهل الأمر ولا يلتزم الصمت بل يسرع للاتصال بالرئيس جمال عبدالناصر يشرح له الموضوع، ليصدر الرئيس بعد ذلك قرارًا باعتبار الطالبات بحكم الموفدات المصريات فتغطى مصاريفهن ريثما تعود الأحوال إلى طبيعتها.

التقت سيدة تجاوزت التسعين من عمرها سامي الدروبي في سان باولو، وحين سمعت لفظ الدروبي قالت: لولا بيت الدروبي ما كنا على قيد الحياة، وسرحت ببصرها إلى أيام الاحتلال العثماني البغيض حين أشعل الفتن الدينية والطائفية وعمد إلى ارتكاب المجازر بحق الأقليات عام 1860.

لم تكن فكرة العروبة واضحة في تلك الفترة التاريخية فقد عملت السلطة العثمانية 1400 عام على ترسيخ فكرة الانتماء إليها برابطة دينية تحت مسمى الخلافة، وعلى تغييب فكرة العروبة عن أذهان العرب عامة وفي مصر خاصة.. إلى درجة إن السوريين في البرازيل وفي دول أمريكا اللاتينية كان يُسمون هناك باسم «تركو».

أمام هذا الواقع الذي ذابت فيه الهوية السورية بالهوية التركية وغابت فيه حقائق كثيرة زمن الوحدة بين مصر وسوريه، تم الاهتمام بالجاليات العربية في أمريكا اللاتينية وعين الدروبي مستشارًا ثقافيًا في سفارة الجمهورية العربية المتحدة في البرازيل فركز على إيضاح فكرة أن تركيا ليست إلا دولة غازية احتلت سوريه في مرحلة تاريخية مضت.

وخلال إقامته بالقاهرة منحه الرئيس جمال عبدالناصر ما لم يمنحه لأي شخص آخر، فقد عامله كصديق أتاح له أن يجالسه وقتما يشاء بحثًا عن «خبرة إنسانية» وسعيًا لمشورة.

يقول د. عمر عبدالسميع في مقال له نشر في الأهرام عنوانه «حين بكى عبدالناصر» عند تقديم الدكتور سامي الدروبي أوراق اعتماده للرئيس جمال عبدالناصر سفيرًا لسوريا في الجمهورية العربية المتحدة في الأول من سبتمبر عام 1966 أي بعد الانفصال بكى السفير سامي الدروبي وهو يقول: إذا كان يسعدني ويشرفني أن أقف أمامكم مستشرفًا معاني البطولة والرجولة فإنه يحز في نفس أن تكون وقفتي هذه كأجنبي، كأنني ما كنت في يوم مجيد مواطنًا في جمهورية أنت رئيسها، ولكن عزائي في هذه الوقفة التي تطعن قلبي يا سيادة الرئيس والتي يمكن أن تشعرني بالخزي حتى الموت، ومضى الدروبي في كلمته بصوت متهدج يبكي، وفي أثناء كلمته بكى جمال عبدالناصر، ورئيس مجلس الوزراء علي صبري ووزير الخارجية محمود رياض، ونشرت الصحف الأجنبية صور تقديم أوراق الاعتماد في صدور صفحاتها الأولى مسجلة أول حادث في التاريخ يبكي رئيس جمهورية في أثناء تسلمه أوراق اعتماد سفير يبكي هو الآخر.

يقول البعض على الرغم من أن سامي الدروبي الذي استمرت حياته 55 عامًا كان يعرف كل شيء عن مرض العضال الذي أمسك قلبه منذ سنوات، فإن صراعه ضد الموت كان يبدو ماثلاً في عدة مشروعات أدبية ضخمة عزم على إنجازها، ومن بينها مشروع بترجمة الأعمال الفلسطينية الكاملة لهنري برغسون، وهو مشروع كان يمكن فيما لو تحقق، أن يضيف إلى المكتبة الفلسفية العربية رصيدًا ضخمًا، تنوعت ترجماته بين الفلسفة وعلم النفس والنقد والأدب والعلوم السياسية ومنها «المذهب المادي والثورة» لـ«جان بول سارتر» (الاشتراك مع جمال الاتاسي)، «المجمل في فلسفة الفن» لـ«بندتوكروتشه»، و«جسر على نهر دربنا» لـ«ايفون اندريتش» والأعمال الكاملة لـ«ليوتولستوي»، و«ابنة الضابط» لـ«الكسندر بوشكين».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها