النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

التكنولوجيا الرقمية وفوضى الإعلام

رابط مختصر
العدد 11533 الأربعاء 4 نوفمبر 2020 الموافق 18 ربيع الأول 1442

عندما يكون القبح واضحًا، فإن الوضوح يضفي عليه لمسة من الجمال، وعلى النقيض، عندما يكون الجمال غامضًا، فإن الغموض يلطخه بلوثة من القبح... هكذا حالنا مع إعلام اليوم، إنه رائع جميل وغامض مثير ومرعب مخيف. كان الإعلام، منذ ولادته، بيد سلطات مسؤولة معروفة ذات أهداف واضحة، وكان البث عبر وسائل محدودة، ومواد الإعلام كانت واضحة. اليوم خرج على الإعلام الرسمي المسؤول إعلام موازٍ ينتشر كالنار في الهشيم تملكه وتديره أشباح تبث إعلامًا غامضًا بعيدًا عن الحقائق وهو أقرب الى السموم التي من شأنها تلويث النفوس وتغييب العقول. يتم نشر هذه المواد الإعلامية السامة على محطات استقبال فردية (هواتف ذكية، لوحات كمبيوتر، iPad، وأجهزة أخرى). 

هذه المحطات الفردية هي التي تكون المجموع الجماهيري في كل مجتمع على كامل جغرافية العالم. لقد أصبحت الشعوب هدفًا لسموم إعلامية، من كل «حدب وصوب!» تخرجها من عالم الحقيقة والفكر والثقافة والمعلومة الصحيحة والنهج الجاد، إلى عالم الكذب والتلفيق والفتنة والنهج الهزلي واللامبالاة والعبثية والفوضى، ولكل «حدب وصوب!» أهدافه الخاصة في توجيه العامة إلى الوجهة التي خططت وتخطط لها، وهي أهداف نابعة، في الأساس، من مصادر الصراعات السياسية ومن افرازاتها الاقتصادية والعسكرية والحروب النفسية. إن هي إلَّا حرب إعلامية، بوجهيها الدعائي والتحريضي، بكامل أبعادها وأشكالها وألوانها اللاأخلاقية، وحجم هذا الإعلام المسموم وقوة تأثيره تهمشان الإعلام الرسمي وتقوضان الأثر الرسمي المرجو منه. وهذا الواقع الإعلامي الموازي يضع الإعلام الرسمي في مأزق داخلي وحرج خارجي، ويضيف إليه مسؤوليات جديدة وتحديات كبيرة وقوية.

هذه المواد الإعلامية المسمومة يتم إخراجها بأنماط درامية تدغدغ المشاعر وتدفعها طوعًا إلى منزلقات التأثر النفسي والإثارة المفرطة إلى مستوى تغييب العقل بالكامل، ومن أكثر الوسائل فاعلية في هذه الدراما هي اعتماد المواد الدينية، في ثوبها المذهبي وتفرعاتها الطائفية، والوطنية المبتذلة بوجهها العنصري القبيح. هذه المواد بإخراجها الدرامي تحفز الكراهية المتبادلة وتساهم في صب الزيت على نار الفتن الطائفية والعرقية والقومية. كل الجهات التي تصنع هذه المواد الإعلامية تستهدف عامة الناس (الجماهير) وهم الغالبية، تلك الغالبية التي يمكنها أن تخلق الفوضى، والخريف العربي وثورات الألوان في أوروبا الشرقية أمثلة حية على الأهداف المرجوة من زرع الفوضى، هذه الفوضى غيرت حكومات وحرقت مجتمعات ودمرت أوطان وفجرت صراعات لا نهاية لها وهجرت جموع بشرية خارج أوطانها... ومازال حبل الفوضى على غارب الإعلام الموازي. والسؤال هو: ماذا بعد؟ هل هذا الإعلام المشاع هو الأداة التوجيهية لتحقيق رؤية «الفوضى الخلاق»؟ وبعد أن تنجح الرؤية في تحقيق مآربها، ماذا بعد؟ هل عودة إلى الماضي العبودي؟ أم خطوة خارج التاريخ؟... المؤكد، إلى الآن، هو أن هذا العبث بالإعلام وبوسائل الإعلام قد طرد الثقافة من ساحة الاعلام، وجعل المجتمعات خاوية من الفكر ومن الروح، فأضحت المجتمعات حراكًا آليًا، مطرقة وسندان ومطروق بينهما، قعقعة وجعجعة، صراخ وعويل، سب وشتم، هذه هي المحصلة المحسوسة.

نحن شهود على ظاهرة إعلامية لا مثيل لها في التاريخ، و هي آخذة في النمو والانتشار، وهي محصلة لظاهرة ظهيرة لها، وهي التكنولوجيا الرقمية بأدوات التواصل الاجتماعي. ظاهرة وسائط التواصل الاجتماعي بأدواتها العديدة، من هاتف ذكي ولوحة (آيباد) ذكية وأجهزة حاسوب متطورة، وبالتفاعل مع شبكات اليوتيوب والفيسبوك والتويتر والواتساب، وهي مراكز بث متحررة من القيود رغم آليات الرصد الرسمية وغير الرسمية، فإن واقعًا إعلاميًا جديدًا قد برز في المجتمعات على مستوى العالم كله. هذه الظاهرة هي ثورة ارتدادية في عالم الإعلام، فلم يعد الإعلام حكرًا على المؤسسات الكبيرة، من حكومات وجهات متخصصة تتحمل مسؤولية ما تبث، بل أن الأفراد أصبحوا مراكز استقبال وإرسال، وبعض المراكز الفردية الذكية استغلت هذا الفضاء الإعلامي المتحرر من أجل بث أدواتها الخاصة وعلى هوى نزواتها الدفينة. الأدهى والأخطر من المراكز الفردية الذكية هي مراكز الجماعات السياسية والعقائدية، الدينية وغير الدينية، ومواقع نشر مواد لا أخلاقية تتسير بين الجريمة المرعبة والإباحية الداعرة. منذ أن امتلك الأفراد، وحتى الأطفال، مجرد هاتف ذكي، فإنهم يستلمون يوميًا رسائل على الشبكات من جميع الأنواع، وبالأخص شبكة الواتساب، مئات الرسائل بين نصوص وصور وفيديوهات، وبإمكان المستلم أن يتفاعل مباشرة مع الرسائل، ويعيد نشر الرسائل التي يستلمها مشفوعًا بتعليقاته وآرائه. مع هذا الفضاء المفتوح دون أبواب، يدخل الناس في حوارات ومناقشات دون حاجة لمكان ولا لتحديد موعد، فالأجواء، زمانًا ومكانًا، ملك يد الجميع. كأي وسيلة أخرى، ذات فاعلية وتأثير، فإن وسيلة التكنولوجيا الرقمية، التي صارت لعبة بيد الجميع، هي سلاح ذو حدين، وسيلة خير وشر، فهي جمع من المتناقضات وخاصة تناقضات الشر بالشر... هذا الإعلام الطليق، على كامل الجغرافيا البشرية، دون قيود ولا ضوابط، لا داخلية ولا خارجية، إلى أي مصير سيقود حضارتنا المصابة بأمراض مزمنة، وبعض الأمراض قد وصلت إلى النقطة الحرجة التي يستعصي معها العلاج. هل يمكن لهذا الإعلام أن يكون «القشة التي ستكسر ظهر الحضارة»؟..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها