النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11656 الأحد 7 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

القوة الناعمة سياسة بحرينية منذ سبعينيات القرن الماضي

رابط مختصر
العدد 11532 الثلاثاء 3 نوفمبر 2020 الموافق 17 ربيع الأول 1442

قرأتُ للزميلة الدكتورة وجدان فهد مقالاً نُشر في صحيفة أخبار الخليج بتاريخ (23 أكتوبر 2020م) بعنوان (القوة الناعمة وتكوين السمة الوطنية)، وتطرَّقَت فيه إلى كتاب (القوة الناعمة البحرينية ريادة النموذج) الذي صدر للأستاذ محمد عبدالقادر القوتي ولم يتسنَّ لي الوقت لاقتنائه، وإلى المحاضرة التي قدَّمها الدبلوماسي البحريني الأستاذ أحمد الطريفي حول (الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين) خلال شهر أكتوبر الماضي. 

وفي مقال اليوم، لستُ في معرض الكتابة عن مصطلح (القوة الناعمة) ونشأته وتعريفه، بل سأدوّن الواقع الذي عشتهُ شخصياً خلال سنوات عملي الدبلوماسي الطويلة في وزارة خارجية مملكة البحرين التي سبقت التاريخ في ممارسة (القوة الناعمة) برؤية قيادتها الحكيمة منذ الاستقلال وقبل أن تظهر (القوة الناعمة) كمصطلح في علم السياسة الدولية صاغه الدبلوماسي الأمريكي جوزيف ناي عام (1990م)، وألَّف كتاباً في عام (2004م) بعنوان (القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية) كما أشارت إلى ذلك الدكتورة وجدان فهد في مقالها. 

فكيف استطاعت القيادة البحرينية في هذه الجزيرة الصغيرة أن تحقّق سياسة القوة الناعمة التي أقرّتها السياسة الدولية في الأمم المتحدة وفي العلاقات الثنائية بين الدول بعد عشرين عامًا من استقلال البحرين عام (1970م)؟! 

وجدت (البحرين) تلك الجزيرة الصغيرة التي تقع في قلب الخليج العربي والتي تمّ فيها اكتشاف النفط للمرة الأولى في المنطقة عام (1932م)، وتتحكَّم -بحكم موقعها الجغرافي المميّز- في خطوط الملاحة البحرية والجوية بين أوروبا وآسيا، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع الصراعات الدولية والإقليمية التي أحاطت بها من كل جانب ومعرَّضة للغزو والاحتلال من قبل قوة إقليمية عظمي هي الامبراطورية الشاهنشاهية الإيرانية أو (بوليس الخليج)، وذلك بعد قرّار بريطانيا في (يناير 1968م) الانسحاب من شرق السويس وتصفية جميع قواعدها العسكرية بسبب عجزها عن الإنفاق على شبكة مصالحها الاستراتيجية والتجارية والترتيبات العسكرية الدفاعية في تلك المنطقة. 

فأدركت القيادة في البحرين أهمية درء الخطر والأطماع الإيرانية باستخدام القوة الناعمة، حيث إن الحد الأدنى للتحالف العسكري مع الدول الشقيقة المجاورة لم يكن ممكنًا لظروف هذه الدول آنذاك؛ لذلك كان لابد من وجود مخرجًا مناسبًا لحماية البحرين وسيادتها واستقلالها، وبالتالي معالجة الأطماع السياسية التاريخية الإيرانية وفق رؤية جديدة. 

فقامت قيادة البحرين بإجراء عدد من الاتصالات والزيارات الدولية الكفيلة بكبح جماح الخطر الذي يهددها باستخدام الوسائل السلميّة للوصول إلى حل مع إيران، وقد بُنيت جميع تلك التحركات على مبدأ القوة الناعمة، وذلك على النحو الآتي: 

1. قيام صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة حاكم البحرين وتوابعها وعضيده صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس مجلس الوزراء زيارات رسمية إلى الدول العظمى، حيث اجتمعا بقادة تلك الدول الذين أبدوا كامل دعمهم للبحرين لإنهاء المطالبات الإيرانية وضمان سيادة البحرين واستقلالها، إلا أن هذا الدعم كان دعمًا معنويًا أمام إيران القوية التي كانت لها علاقات وطيدة ومصالح اقتصادية ونفطية متشابكة مع هذه الدول. 

2. قيام صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس مجلس الوزراء، وسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء بإجراء مفاوضات سرية شاقة مع كبار الساسة الإيرانيين في جنيف برعاية من بريطانيا والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت، وانتهت بالاتفاق على إرسال لجنة من الأمم المتحدة برئاسة المبعوث الإيطالي (ونسبير) لاستطلاع رغبات شعب البحرين وانتمائهم العربي للأمة العربية، وقدَّمت اللجنة تقريرها في (مايو 1971م) وانتهت الادّعاءات الإيرانية في البحرين ودّياً وعبر الوسائل الدبلوماسية، وتمَّ قبول البحرين عضواً في الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن الدولي في (11 مايو 1971م)، وبذلك أغلقت البحرين وبسياسة القوة الناعمة فصلاً تاريخيًا معقّدًا وطويلاً من المطالبات الإيرانية لم تستطع بريطانيا وهي الدولة العظمى من إنهائه رغم سيطرتها على منطقة الخليج لعدة عقود. 

3. الخلاف الحدودي البحريني القطري حول جزر حوار والمنطقة البحرية والمشتعل منذ عام (1938م)، حيث تمّ بحثه بدايةً في إطار الوساطة السعودية بعد قرار قادة دول مجلس التعاون في قمة الدوحة عام (1990م) تسليمه إلى السعودية لحلّه خلال ستة أشهر، تعرَّضت خلالها البحرين للكثير من المطالبات التعجيزية من قبل قطر، كطلب تفجير جزيرة قطعة جرادة بالديناميت على اعتبار أنها جزيرة صناعية قامت البحرين بدفنها، وهم على يقين بأنها جزيرة طبيعية، وقد أثبت ذلك عودة الجزيرة لما كانت عليه بعد التفجير حيث شكَّلتها التيارات المائية مجددًا! ورغم أن الوساطة السعودية لحل الخلاف كانت تسير في الاتجاه الصحيح، إلا أن قطر قامت برفع دعوى منفردة ضد البحرين أمام محكمة العدل الدولية في (يوليو 1991م) قدَّمت خلالها (81) وثيقة تاريخية مزوَّرة حول أحقيتها في جزر حوار ومنطقة الزبارة، لينتهي حكم المحكمة النهائي والمُلزم وغير القابل للاستئناف في (مارس 2001م) إلى أن جزر حوار وقطعة جرادة جزء لا يتجزأ من البحرين، ليؤكِّد هذا الخلاف على رؤية البحرين القائمة دوماً على استخدام القوة الناعمة في إطار مبادئها السلميّة القائمة على المفاوضات الايجابية لإنهاء الخلافات بدلاً عن القوة. 

4. دخلت البحرين في مفاوضات شاقة مع إيران عام (2010م) استمرت يومين متتاليين في وزارة الخارجية الإيرانية متسلّحة بالقوة الناعمة لمناقشة الحدود البحرية الشمالية للبلدين وما يسمي بالنقطة الثلاثية المشتركة التي أثارتها دعوة وزارة النفط الإيرانية لشركات النفط العالمية للاستثمار فيها وتطويرها، وقد نجحت سياسة القوة الناعمة التي انتهجها الوفد البحريني في تحقيق مكاسب إضافية دفعت حدود البحرين إلى حوالي (2 كيلو بحري) بقناعة تامة من الوفد الإيراني المفاوض الذي كان صعب المراس. 

تلك هي بعض المحطات في تاريخ البحرين السياسي التي توثّق تعاملها الحكيم مع جيرانها من دول الإقليم واستخدامها للقوة الناعمة كوسيلة سلميّة تعكس احترامها لمبادئ ميثاق الإمم المتحدة التي تدعو للتفاوض السلمي لحل المشاكل العالقة، مما مكَّن البحرين من تحقيق مكاسب وتأكيد حقوقٍ سيادية كان من الصعب تحقيقها باستخدام القوة لاختلال ميزان القوة في بعض من تلك القضايا التي كانت تتطلَّب حكمةً ورؤية سياسية عملية وبُعد نظر وتقييم واقعي للأحداث والتطورات المحيطة. 

أما على الصعيد الداخلي، فقد لعبت (القوة الناعمة) دورًا مهمًا في تهدئة النفوس وتثبيت الأمن والاستقرار أبّان الأحداث المؤسفة في (فبراير 2011م) عندما اتخذت القيادة الحكيمة بعض الخطوات المهمة التي أخذت في الاعتبار تطورات الأحداث ومتطلبات الوضع في المجتمع البحريني والصيغة المناسبة لاستمرار إنجازات التنمية المستدامة وتحقيق النهضة الشاملة والتفاعل بوعي ونجاعة مع التحديات التي تمر بها البحرين في تلك الفترة الحساسة جدًا من تاريخها وتاريخ دول مجلس التعاون والدول العربية، وما يتطلَّبه الوضع الداخلي من مواكبة إيقاع الأحداث الخطيرة على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية والمخاطر والتهديدات المحدقة بها وحملات حقوق الإنسان التي تشهدها في المنظمات والأجهزة الدولية، وهنا كانت الرؤية التي قرأت جزئيات وتفاصيل الموقف العام المتوتر داخلياً وإقليميًا ودوليًا، فكانت تحرّكات القيادة الحكيمة على النحو الآتي: 

1. طرح (مبادرة النقاط السبع للحوار) التي طرحها صاحب السمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة وليّ العهد في (12 مارس 2011م) لتكون خارطة طريق لحل الأزمة وتهدئة الأوضاع، والتي لم تخرج عن إطار مطالبات المعارضة التي تدّعيها، إلا أن المعارضة تعمّدت عدم قبولها لعدم امتلاكها لقرار واضح - الذي هو بيد جهات خارجية تدين لها بالولاء والطاعة - واتجاهها لتعقيد الوضع المتأزم وافتقارها الخبرة في العمل السياسي، وشعورها الخادع بأنها ستفرض إرادتها السياسية بانفراد تام ومعزل عن بقية الأطراف السياسية بمختلف توجهاتها وأن مطالبها ستكون واقعًا لا محالة، فانكشف خداعها، ورفض المجتمع البحريني بكافة طوائفه وتوجهاته ما يجري حوله من تطورات تمسّ كيانه وتهدد أمنه واستقراره ومستقبل الأجيال القادمة في ضوء الأوضاع الخطيرة التي انتهت إليها سوريا وليبيا ولبنان. 

2. إنشاء (اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق) برئاسة البروفيسور محمود شريف بسيوني وعضوية أشهر وأهم القانونيين في العالم للتحقيق في مجريات أحداث (فبراير 2011م) بأمر ملكي سامٍ صدر في (يونيو 2011م)، وذلك في مبادرة ملكية شجاعة هي الأولى من نوعها في تاريخ الوطن العربي، وقدَّمت اللجنة تقريرها الذي تضمَّن عددًا كبيرًا من التوصيات إلى جلالة الملك في (23 نوفمبر 2011م)، وتبع ذلك مباشرةً تشكيل لجنة وطنية لتنفيذها ثم تشكيل جهاز متخصص لمتابعة التنفيذ. 

إن الأساس الذي اعتمدته القيادة الحكيمة في إدارة الأزمة المؤسفة في (فبراير 2011م) يوضح دون أدنى شجاعة وحكمة القيادة ورؤيتها السديدة في قراءة الأحداث والتطورات الخطيرة والتعامل الصحيح معها بما يحمي المكتسبات الوطنية، ويقف أمام التهديدات التي تعترض أمن واستقرار البحرين في إطار الخطة المرسومة للتغيير والانقلاب على الأنظمة الشرعية في البلاد العربية بالتنسيق من إيران وأذرعها الخبيثة داخل وخارج البحرين. 

إن إدارة الدولة لأزمة خطيرة بهذا المستوى دون اللجوء إلى استخدام القوة كما هو جارٍ في المحيط الإقليمي، وسعيها لمعرفة أسباب الأحداث وتطوراتها اللاحقة والذي أوضحه تقرير لجنة تقصّي الحقائق بالنصّ: (إن العنف في البحرين كان نتيجة تصاعد الخلاف فيما بين الحكومة والمعارضة التي لا يخفي نصيبها من المسؤولية)، لأكبر دلالة على أن سياسة القوة الناعمة لعبت دورًا مهمًا جدًا في إدارة أصعب وأخطر أزمة سياسية مرَّت بها البحرين عبر تاريخها. 

وبعد كل ما سبق من شواهد، فإن ما توصَّل إليه البروفيسور جوزيف ناي أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في العلاقات الدولية بجامعة هارفارد حول مصطلح (القوة الناعمة) عام (1990م)، إنما جاء متأخرًا جدًا، فهو المبدأ الذي انتهجته القيادة البحرينية منذ سبعينيات القرن الماضي لتحقيق مكانتها كدولة لديها قوة وأفكار ومبادئ في جميع المجالات السياسية والإنسانية والثقافية والاجتماعية لا يجد الآخرين أمامها سوى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره. 

 

*المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها