النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11558 الأحد 29 نوفمبر 2020 الموافق 14 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

انحسار الأحادية القطبية

رابط مختصر
العدد 11529 السبت 31 أكتوبر 2020 الموافق 14 ربيع الأول 1442

إننا نعيش مرحلة تاريخية من التغير في ميزان القوى الدولي، والذي من المرجح أن يؤدي إلى التحول من مرحلة الهيمنة الامريكية آحادية القطبية إلى عالم جديد عبر مرحلة انتقالية من القطبية المتعددة.

ليس في هذا الرأي شك وهو ما عبّرت عنه جريدة «قاسيون» السورية: لا يسر الولايات المتحدة ولا الغرب على العموم، لأنه سيعني إعادة توزيع وتقاسم وتشكيل مجالات النفوذ، حيث يفقد القطب «الحالي» على الاقل أجزاء من نفوذه لمصلحة قطب او أقطاب ناشئة أخرى نتيجة لذلك بدأنا نرى المزيد من الجهود من قبل الولايات المتحدة للحفاظ على الوضع الراهن، والتي تتجلى بطرق مختلفة لها موضوع واحد مشترك، خلق ما يكفي من فوضى لمنع أو – على الأقل - تأخير التغير الحتمي.

ظهر مع انتهاء الحرب العالمية الثانية توازن دولي جديد أحدث تحولات هائلة في العالم لتشكيل الولايات المتحدة احد قطبيه بمقابل الاتحاد السوفيتي، إلا أن هذا التوازن، بدأ يختل منذ اواسط السبعينات بشكل واضح وانتهى مع انهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر 1991، لتحتكر الولايات المتحدة بعد هذا التاريخ المسرح العالمي، وانتقلنا لعصر جديد سادته الآحادية القطبية، فرسخت السياسات الخارجية للولايات المتحدة هذه الحالة ما جرى ترجمته عبر تحويل الجميع لمجرد تابع للولايات المتحدة التي باتت تفرض حالة من الهيمنة في جميع المحافل الدولية القائمة، ولكن ومع ذلك كان واضحًا تمامًا ومنذ البداية إن العالم آحادي القطب هو عالم غير متوازن وبالتالي غير مستدام.

مع ابتعاد العالم عن الآحادية القطبية - وهو ما أصبح واقعًا تعترف به الغالبية العظمى - وبعد أن أيقنت واشنطن انها لن تستطيع فرض سيطرتها من جديد ولن تستطيع الاعتماد على أذرعها التي تستخدمها للتحكم في الانظمة والهيئات الدولية المختلفة بالطرق وبالدرجات السابقة، وجدت نفسها أمام خيارات ضيقة، عنوانها إحداث فوضى كافية لإبقاء العالم منشغلاً بغرض تأخير التحولات الجارية، لذلك لعبت واشنطن دور المفسد في المجتمع الدولي وخصوصًا بعد ان بات أصدقاؤها يظهرون نزعة متزايدة لرفض الخنوع، ويظهرون خوفًا أقل من التهديدات الامريكية.

للكاتب الانجليزي بيتر هاريس رأي نشر في مجلة ناشنال انترست الامريكية ترجمة عادل حبه، يؤكد فيه إن القرن الامريكي في طريقه إلى الاضمحلال، وإن معظم محللي السياسة الدولية، سواء أكانوا يعزون تراجع الولايات المتحدة إلى الخلل الوظيفي المحلي أو إلى نهوض الصين والقوى الناشئة الأخرى، ويميل المراقبون إلى الاتفاق على ان انحسار «حالة احادية القطب» عاجلاً أم آجلاً، سيفسح المجال لقيام نظام دولي يلعب فيه أكثر من دولة عظمى.

ومع ذلك فمن غير الواضح متى ستتلاشى آحادية القطب في العالم في نهاية المطاف، وما الذي يتطلبه الأمر لقوة عالمية أخرى تساوي الولايات المتحدة او تتفوق عليها؟ وما هو أوان إعلان آحادية القطبية أصبحت شيئًا من الماضي؟ كل هذه الاسئلة يعتبر الاجابة عليها محاولات تنطوي على معايير دقيقة لمجمل القدرة الوطنية، ومن وجهة النظر هذه، فإن فهم التراجع في الولايات هو مسألة التنبؤ بالوقت الذي قد يتفوق فيها أحد المنافسون لامريكا في مجمل المعايير المادية والاقتصادية والعسكرية.

وبعبارة أخرى كانت الازدواجية القطبية خلال الحرب الباردة حالة جيوسياسة، صراع مستمر شبه التكتل الغربي للوقاية من السيطرة السوفيتية الكاملة على بعض المساحات الجغرافية، خاصة في أوروبا وشرق آسيا، ولقد انتهى عصر الازدواجية القطبية عندما اصبحت التحولات الداخلية داخل الاتحاد السوفيتي تعني إن موسكو لم تعد تشكل تهديدًا لأمن هذه المناطق، ولم تتطلب نهاية الازدواجية القطبية انهيار الاتحاد السوفيتي بالكامل، ولا حتى تراجعه الكبير في القوة المادية الاجمالية، ان كل ما يتطلبه الأمر هو إعادة تشكيل المصالح والنفوذ بحيث تم استبدال المنافسة الجيوسياسة على أوراسيا بمجموعة مختلفة من التفاعلات الدولية.

إن لجائحة فيروس كورونا العالمية آثارًا جيوسياسية هائلة لن يكون العالم كما كان مرة أخرى، ومع ذلك من السابق لأوانه الحديث عن العالم الذي سيتشكل في نهاية المطاف لم ينتهِ الوباء.

كانت بداية وباء فيروس كورونا تبعًا لرؤية الفيلسوف الروسي «اليكساندر دوجين» لحظة حاسمة في تدمير العالم احادي القطب وانهيار العولمة، ظهرت أزمة آحادية القطبية وفشلت العولمة منذ أوائل العقد الأول من القرن العشرين – أحداث 11 سبتمبر والنمو القوي للاقتصاد الصيني وعودة روسيا بوتين إلى السياسة العالمية ككيان سياسي متزايد النشاط، والأزمة المتزايدة للمهاجرين وصعود الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة والعديد من الظواهر الموازية الأخرى جعلت – على ما يبدو – العالم الذي تشكل في التسعينات المتمركزة حول هيمنة الغرب والولايات المتحدة والرأسمالية العالمية قد دخل مرحلة الأزمة.

وملخص هذه الرؤية يمكننا الآن بدء العد التنازلي لنظام عالمي متعدد الاقطاب – نقطة البداية هي وباء فيروس كورونا، لقد (دفن) الوباء العولمة والمجتمع المفتوح النظام الرأسمالي العالمي، وأجبرنا الفيروس على السير على الجليد وبدأت الجيوب (المقاطعات) الفردية للبشرية تأخذ مساراتها التاريخية المنفصلة.

من المحتمل أن يشمل عالم ما بعد فيروس كورونا مناطق فردية وحضارات وقارات من العالم ستتشكل تدريجيًا لتصبح جهات فاعلة مستقلة، في الوقت نفسه، ومن المرجح ان ينهار النموذج العالمي للرأسمالية العالمية ويعمل هذا النموذج حالياً كقسم مشترك لكامل هيكل آحادية القطبية: من استبداد السوق إلى الديمقراطية البرلمانية وايديولوجية حقوق الانسان، بما في ذلك مفاهيم التقدم وقانون التطور التكنولوجي التي أصبحت عقائد في أوروبا للعصر الجديد، والتي انتشرت في جميع المجتمعات البشرية.

يزعم الفيلسوف الروسي دوجين صاحب نظرية السياسة الرابعة والنظرية الاوراسية التي تؤمن بوجوب اتحاد وتحالف الشرق بقيادة روسيا والصين في مقال عنوان «فيروس كورونا وافق عالم متعدد الاقطاب: الاحتمالات الجيوبوليتيكية للوباء» إن ما بعد فيروس كورونا سيخلق العالم المتعدد الاقطاب بنية أمنية جديدة تمامًا، قد لا يكون أكثر قابلية للتطبيق أو التكيف مع حل النزاعات، لكنه سيكون مختلفاً في هذا النموذج الجديد، سيكون الغرب والولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي عاملاً واحدًا فقط من بين عوامل كثيرة، من الواضح إن الولايات المتحدة نفسها لن تكون قادرة للعب دور الحاكم العالمي الوحيد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها