النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11557 السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:26PM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

مقترح بشأن الميزانية العامة للدولة للعامين 2021 ـ 2022

رابط مختصر
العدد 11528 الجمعة 30 أكتوبر 2020 الموافق 13 ربيع الأول 1442

التحديات جسام، والمأمول كبير، والواقع صعب، والحالة الاقتصادية والمالية تحتاج لهرمون نمو وقبلة حياة بشكل عاجل، هذا هو المشهد العام الذي اعتقد انه يواجه الدولة وهي تعمل منذ شهور - من المفترض - على اعداد الميزانية العامة للدولة للعامين 2021 – 2022.

ما انا متيقن منه من واقع اطلاعي على ميزانية 2019 -2020 والتي أعدت بشكل محترف متميز وشفافية عالية خصوصا ما تضمنته من مرفقات تبين الحالة المالية والاقتصادية للدولة و المشروعات المراد تنفيذها، يجعلني متأكدا بأن معالي وزير المالية والاقتصاد الوطني يتعامل وفق أسس علمية ستجعل الميزانية القادمة ملبية إن شاء الله للاحتياجات الكثيرة والمعقدة في ظل الموارد المحدودة.

في الحقيقة كلما تمكنت الميزانية العامة من أن تعكس واقع الاداء الحكومي بحيث تكون مرآة مالية صادقة شفافة نكون سهلنا طريقنا للقياس والتقييم العلمي، فنرصد الاخطاء ونصححها أولاً بأول، وهو ما لا يمكن أن يكون في ظل ما تسير عليه ميزانية الدولة منذ النشأة، لكونها تركز على جانب واحد هو عدم تجاوز الصرف، وهو جانب محاسبي بحت تجاوزه العلم المالي والاقتصادي لمتطلبات حديثة تتمثل في اهمية ان تبرز الميزانية أوجه الاداء الحكومي وليس الصرف الحكومي فقط، لان الغاية من الصرف تحقيق حاجات عامة وهذه الحاجات من المهم أن تعرف وتقاس وصولاً لتحديد الاداء العام للجهاز الحكومي ومعرفة العائد من النفقات العامة.

لذلك أدعو أن تنظر الحكومة الموقرة في أن تأخذ في العامين القادمين او ما بعدهما بأسلوب مختلف في رسم ميزانية الدولة وهو أسلوب ميزانية البرامج والأداء (Programming and Performance Budget) بدلاً من ما سارت عليه ميزانية الدولة منذ نشأتها بالأخذ بميزانية البنود او ميزانية الاعتمادات، وفيما يلي سأبين ماهية ميزانية البرامج والأداء والفرق بينها وبين ميزانية البنود، ثم أبين هل لها أساس دستوري؟ وما أثرها في معالجة مشكلتي العجز والدين العام، ثم ما أثر الأخذ بها على التغير المتوقع التلقائي في إسلوب ديوان الرقابة المالية والإدارية في أداء أعماله؟ وذلك بإيجاز عله غير مخل.

أولاً: ماهية ميزانية البرامج والأداء والفرق بينها وبين ميزانية البنود: تعتمد فلسفة ميزانية البرامج والأداء على أن تكون كل تقديرات الميزانية العامة مبنية على أساس برامج عمل يحدد في كل برنامج هيكله ومخرجاته وعملية اتخاذ القرار وآلية تقييم البرنامج ونظام معلومات للتطوير، بمعنى تفكيك الميزانية لبرامج مصغرة، وبالتالي يجزأ العمل الحكومي إلى برامج مفصلة ومنفصلة عن بعضها وفرق عمل متنوعة في كل جهة حكومية، ونستبعد كل تقدير مالي مبني فقط على صرف دون مخرج محدد يمكن قياسه عند التطبيق ومعرفة المنجز المتحقق من هذا الصرف.

 فميزانية البنود التي نحن عليها منذ عقود تبين الاعتمادات دون بيان الانجازات المراد تحقيقها وبالتالي تركز على ما ستنفقه الدولة على الشراء مثلا من سلع وخدمات دون بيان الاعمال التي ستستهلك لها هذه السلع والخدمات، وهو المهم، لأن بيان هذه الاعمال سيمكن من تحول الميزانية من غاية محاسبية الى أن تحقق اهداف اقتصادية يمكن قياسها وهو المطلوب.

وهنا تكون المشتريات الحكومية مثلا ليست غاية في حد ذاتها بل هي شيء وسيط لتحقيق منجز معين مرسوم مسبقا، والاخذ بهذا الأسلوب هو أسهل طريق لترشيد الإنفاق العام لأن كل شراء لا يتم بيان العائد منه مسبقًا ولا يراعي تقديم قيمة اقتصادية او اجتماعية مضافة يستبعد من البداية او لاحقًا عند التقييم المتزامن لعملية تنفيذ الميزانية العامة.

أما ميزانية البنود فتجعل الميزانية العامة عبارة عن اعتمادات مالية تنتظر صرفها نهاية كل شهر او كل فترة بحسب تقديرات الجهات الحكومية، بمعنى أنها تكاليف مالية منتظر صرفها دون بيان للعائد المرجو منها بشكل دقيق.

ثانيًا: هل للأخذ بميزانية البرامج والأداء أساس دستوري؟

نعم، حيث بينت المذكرة التفسيرية للدستور بأن «تبويب الميزانية قد تطور في الوقت الحالي، كما يمكن أن يتطور في المستقبل، مما قد يلغي فكرة الأبواب في الميزانية، ويؤدي إلى إمكان تقسيمها على أسس أخرى جديدة».

والأخذ بنظام الأبواب هو ذاته ميزانية البنود التي تركز فقط على وضع حدود للصرف عند كل باب يقرها البرلمان وانتهينا، ويجب عدم تجاوزها، دون قياس حقيقي للعائد من الانفاق العام وبالتالي عدم إتاحة امكانية التعرف على نتائج أعمال الحكومة وتقييم كفاءة (تحقيق الاهداف بأقل صرف) النشاط الحكومي.

ثالثًا: ما أثر الأخذ بميزانية البرامج والأداء في معالجة مشكلتي العجز والدَّين العام: تستند في الحقيقة فكرة ميزانية البرامج والأداء على فكرة ترشيد الانفاق العام من خلال حصره على ما يحقق المخرجات المتوقعة مما يجعله دائمًا في وضع يمكن السيطرة عليه وتقلل هذه الطريقة من اي فرصة للمفاجئات.

رابعًا: ما أثر الأخذ بميزانية البرامج والأداء على التغير المتوقع التلقائي في أسلوب ديوان الرقابة المالية والإدارية في أداء أعماله: سنلاحظ عند الأخذ بميزانية البرامج والأداء أن عمل الديوان لن يكون مقتصرًا على متابعة المخالفات المالية وعدم تجاوز الصرف بل سيعمل على التركيز على جانب العائد من الإنفاق وتقييم الأداء الحكومي من واقع الاعتماد المالي وما تحقق من أهداف. وهو ما لا تتيحه ميزانية البنود التي وإن كان ديوان الرقابة المالية والادارية مختصا برقابة الإداء إلا أنه سيلاقي صعوبات عند القيام بهذا الدور في ظل ان ميزانية الدولة ليست معدة أساسًا لبيان قياس الكفاية الإنتاجية للإدارة الحكومية، ألم نلاحظ في تقارير الديوان أنه يورد معلومات صادمة من قبيل أن جهة حكومية لم تحقق الهدف من إنشائها، والسبب بسيط: لأنها تصرف دون تحديد واضح لمخرجاتها المتوقعة ودون تخطيط.

في الختام وجب أن أبين إن الأخذ بنظام ميزانية البرامج والأداء سيجعل الميزانية العامة للدولة مبينة على أسس موضوعية واقتصادية، وبالتالي بعيدة كل البعد عن المساومة السياسية والعوامل الشخصية لأن الاعتمادات تخصص بناءً على برامج متكاملة مدروسة محدد فيها المسؤولين المحاسبين ومخرجاتها وسبل تطويرها، ويمكن البدأ بتطبيقها بشكل تجريبي على عدد من الجهات الخدمية كما فعلت مصر، ثم في حال نجاحها تعمم على الجهاز الحكومي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها