النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11557 السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:26PM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

أهمية قسم أبقراط لمهنة الطب

رابط مختصر
العدد 11526 الأربعاء 28 أكتوبر 2020 الموافق 11 ربيع الأول 1442

  • هناك مهنة واحدة لها خصوصية قوامها حساسية نابعة من ذات الإنسان الفرد

 

حياة الانسان رحلة عبر الزمان، وفي هذه الرحلة يركب الانسان قطارًا يتحرك في مسيرته الزمانية على عدد من العجلات هي بمثابة أنواع المهن التي يعيش بها ويستعيش منها الانسان، ولكل مهنة موضعها في قطار الحياة... ولكل مهنة مكنونها المعرفي وأدواتها الفاعلة وأهدافها المرجوة. هكذا حياة الانسان مقارنة بحياة بقية الكائنات البيولوجية (الحية).

وانطلاقًا من هذه المقارنة المفارقة نستطيع أن نميز الانسان عن الحيوان بعنصر «المهنة»، في موازاة التمييز السائد بعنصر «النطق - الكلام». والمهن في تزايد، عددًا ونوعًا مع تحرك قطار الحياة، ولكن في وسط هذا الكم المتزايد من المهن، هناك مهنة واحدة لها خصوصية قوامها حساسية نابعة من ذات الانسان الفرد. هذه المهنة، هي المهنة الوحيدة التي تربط الانسان الفرد بالانسان الفرد وجهًا بوجه، وفي حيز واحد ووقت واحد، وأحدهما تحت رحمة الآخر برباط الحاجة وشيء من الثقة. هل هذا لغز يستدرج التخمين، أم أنه توصيف واضح ناطق تدركه أكثر العقول طفولة وبساطة وسذاجة وافتقارًا إلى الحد الأدنى من الذكاء؟! لا أعتقد أن أحدًا يخامره الشك أن التوصيف خطوط واضحة ترسم صورة «طبيب»، الذي أخذ على عاتقه مسؤولية مهنة «الطب» وامتهنها ليحقق أهداف الطب النبيلة ويستعيش من ورائها، دون المساس بحق المريض وحرمته ولا بحق المجتمع في كليته، وهي مهنة ليست كبقية المهن، مهنة تتخطى خطوط الخصوصية الذاتية للانسان (المريض)، بكل أبعادها المادية (الجسدية) والمعنوية (النفسية)، لتمس بشكل مباشر أعلى وأعمق مستوى الخصوصية عند الانسان الآخر، وهو حصن الجسد، أي وجوده المادي والنفسي، بكامل مكوناته الخارجية والداخلية. إن من له حاجة إلى طبيب، للعلاج أو للفحص والاستشارة، يسلم كامل جسده للطبيب وهو مقتنع بأن ستار الحياء بينه وبين الطبيب لا بد أن يرفع، وأن مصلحة المريض تقتضي بما لا يدع أي مجال للشك أو التردد أن يتعرى بالكامل أمام الطبيب، وأن يتحسس الطبيب كامل الجسد بكل حرية مهنية، إذا رأى الطبيب ضرورة لذلك. إن اختراق ستار الحياء بين المريض والطبيب يساوي بالكامل انعدام الحياء بين الانسان ونفسه في لحظات خلوته، واللقاء بين المريض والطبيب خلوة مغلقة بينهما ورجاء الخير ثالثهما.

إن هذه الخاصية التي تتميز بها مهنة الطب، وتجعل الانسان، بكامل حصنه الجسدي وما يحمل هذا الحصن من أسرار، تحت رحمة الطبيب، وهي خاصية تعبر عن علاقة، لا يتساوى فيها الطرفان، فهي ليست علاقة الند بالند، هي أشبه بعلاقة القوي القادر مع الضعيف العاجز.

إن هذا التفاوت الجوهري والنوعي في بنية العلاقة، ببن الطبيب والمريض، يفرز نوعًا من السيادة، من طرف على الطرف الآخر، وهي سيادة مذعون لها من قبل الطرف الضعيف وبإرادة كاملة منه. طبيعة هذه العلاقة المتكاملة وغير المتوازنة تضع الطبيب، وليس المريض، أمام محك الضمير. بإمكان الطبيب أن يفعل ما يشاء بالمريض، إن خيرًا بحكم المهنة، وإن شرًا بحكم المصلحة الأنانية التي تنتهك حرمة المهنة، والانسان، كان ما كان مستواه التحضري والعلمي والمهني، فهو عرضة لهوى النفس ونزواتها المتقلبة بين الخير والشر، وكثيرًا ما يميل مؤشر الهوى في النفس البشرية إلى رغبات الذات الانانية، فتتحول المهنة معها إلى مطية لتحقيق الرغبات الذاتية دون الالتزام بمسؤوليات المهنة وطبيعة أهدافها المرجوة. عندما يتمدد المريض عاريًا على سرير في العيادة، بإمكان الطبيب، إن أراد، أن يعري المريض من حقوقه وحتى من كرامته ويبتزه ويستغله. هذه الميزة في مهنة الطب، إذا انزلق الطبيب بها إلى هاوية الأنانية، ستخلّ بكفتي الميزان بين الطبيب والمريض، أي بين واجب الطبيب المهني وحق المريض في العلاج بكرامة ودون استغلال. إذًا فما السبيل إلى تقويم الخلل في كفتي الميزان حتى يطمئن الإنسان المريض ويرتدع الإنسان الطبيب؟ ليس هناك من سبيل سوى المرور عبر قناة تصب في مجرى الضمير.

هذه القناة رأتها بصيرة الضمير الحي عند أبرز الشخصيات الطبية عبر التاريخ، والذي لقبه أطباء العرب «أبوالطب»، إنه الطبيب اليوناني أبقراط (بالنطق اليوناني: پُكْراتِسْ) الذي ألزم الأطباء في زمانه الذي يبعد عنا ألفين وأربعمائة (2400 سنة) بقسم المهنة قبل ممارسة الطب، والذي يعرف تاريخيًا وإنسانيًا وطبيًا بـ«قسم أبقراط». جميع شعوب العالم وقفة وقفة إجلال وتعظيم أمام أبقراط الغائب - الحاضر، وهي تستذكر في مخيلة التصور نطقه بالقسم، والتزمت بإنطاق القسم لأطبائها قبل ممارسة الطب. إن هذا القسم من شأنه أن يوقظ ضمير الطبيب إن كان نائمًا، ولكن هيهات أن يعيد الحياة إلى ضمير مقبور، أما الضمائر الحية فإنها ملتزمة ولصيقة بأخلاق المهنة دون الحاجة إلى قسم... ومن نكد التطور الحضاري (المزعوم) على الانسان أن الطب قد تحول إلى تجارة من أجل الربح واكتناز المال، لا من أجل أداء رسالة الطب النبيلة، فاصطبغت مهنة الطب عند بعضهم بالتجارة، خاصة مع انتشار المستشفيات الطبية الخاصة، حيث يلجأ بعضها الى التجارة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها