النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11558 الأحد 29 نوفمبر 2020 الموافق 14 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

«الرسوم» وماكرون ومــــــدرس التاريــــــخ

رابط مختصر
العدد 11526 الأربعاء 28 أكتوبر 2020 الموافق 11 ربيع الأول 1442

  • لم يكن مدرس التاريخ الفرنسي ضحية لكائن من كان، ولم تكن «الرسوم المسيئة» سوى قشة آن لها أن تقصم ظهر البعير، فماكرون والدانماركيون من قبله، و«شارلي ايبدو» على الدرب المسلط دومًا فوق رؤوس «المؤمنين»، جميعها التزمت طريقًا مضادًا للعقائد السماوية عمومًا والعقيدة الإسلامية على وجه الخصوص، بالرسومات أحيانًا، بالكتابة والادعاء زورًا وبهتانًا أحيانًا أخرى، ثم بالتصدي للزي الإسلامي الأنثوي مرة أخيرة.

    فرنسا بالتحديد لديها من الحساسيات تجاه الشرائع السماوية ما يدفعها إلى التطاول المتصل على كل من يعتنق أو يعتقد في رسالة نبوية سمحة، وفي كل من يؤمن بأن للحريات مدى إلهي، وللحركة المطلقة سكون أبدي في نهاية المطاف.

    هكذا هي فرنسا حاضنة عاصمة النور والثقافة في الكون، وهذا هو رئيسها الذي وقع في «مطب» حفره لنفسه قبل أن يزج به الآخرون في دهاليزه المشتعلة، وأوكاره المُحرقة.

    ماكرون لم يتصرف كرئيس دولة، رغم أن مواطنه مدرس التاريخ قد تصرف كمعادٍ من فئة الخمس نجوم للشريعة الإسلامية السمحة.

    كان أجدى بماكرون أن يكون مثلما هي فرنسا في التاريخ، ومثلما هم قادتها على مر الحقب والأزمنة، يحترمون الآخر ولو كان مختلفًا، ولا يعادون أحدًا ولو كان صاحب بشرة أو ملامح أخرى، تعلمنا ذلك من ديجول، من كانوا على طريقه سائرون، وتعلمنا ذلك من أجواء الثقافة المستنيرة في الجامعات، في الأحزاب، وفي الجمعيات الوطنية السياسية والاجتماعية المتفكرة في خلق السماوات والأرض، وتعلمنا ذلك من المفكرين الفرنسيين أنفسهم بدءًا من رامبو وانتهاءً بجان جاك روسو، وسارتر وسيمون دي بوفوار الذين كانوا يتشدقون بالحريات ويدعون إليها، ويدافعون عن الإنسان وعقائده أينما كان وكيفما حل، بل انهم أرسوا في ذهنيتنا العربية ذلك النسيج الأصيل الذي لا يخطئ ضالته المنشودة وهو يقيم ثوابت التفكير على الأرض، ويرسخ لعوامل التكامل بين البشر بصرف النظر عن أشكالهم وألوانهم ومناطقهم التي جاءوا منها.

    هذه هي فرنسا، وتلك هي فكرتنا عنها، لكن ما حدث مؤخرًا من رسوم مسيئة للرسول الكريم، ومن دفاع مستميت من الرئيس ماكرون عن الفعل الفادح بحق شريعة يرعاها الله في علاه، وفي صميم معتقد سيظل راسخًا رسوخ النجوم في السماء، يدفعنا إلى القول أن ماكرون بين شقي رحى «الرسوم» وعدوان مدرس التاريخ قد جانبه حسن التصرف، وخاصمه التوفيق، وخانته الحكمة، فلا الرسامون مصيبون، ولا الناشرون المحرضون بريئون، ولا مدرس التاريخ كان على أي حق، لا الشيشانيون «المتأسلمون» موفقون في العدوان على المدرس المهدور دمه، ولا هم وكلاء عن المسلمين في كافة بقاع الدنيا ومن حقهم الإفتاء بغير علم، وهدر الدماء من دون وجه حق، وقطع رقاب عباد الله من دون جريرة أو سلطان.

    القاطعون لرقاب البشر ومصاصو دمائهم يسيئون للشريعة الإسلامية السمحة وللنبي صلى الله عليه وسلم، تمامًا مثلما تسيئ إليها الرسوم ومدرس التاريخ وماكرون وصحيفة «شارلي ايبدو»، الجميع وقعوا في المحظور، والجميع جانبهم الصواب وهم يتعرضون لأمة عانت الأمرين من ظلم الآخر، من بطش المختلف، ومن استعداء العالم على رسالة حق لم يراد بها باطل، رغم أنها تعرضت لمواقف لم تكن حقًا لأنه يراد بها باطل.

    لا قاطعي الرقاب أو حارقي السفارات،ـ أو المعتدين على كل آخر من دون ذنب كانوا يدافعون عن الدين الإسلامي بوعي وموعظة حسنة مثلما دعانا إليه الرسول الكريم، ولا كهنة الرسوم المسيئة كانوا حسنوا النوايا بحيث أنهم ينشدون حرية التعبير ولا شيء سواها.

    سوء النوايا تقدمت مشهد الرسوم المسيئة، وسوء التصرف، مثلما هي عادتنا قد ارتكبه المدافعون عن الإسلام البريء من كل سوء، ومن كل تصرف على الشاكلة «الشيشانية» والشكلية «الداعشية» والعقيدة «القاعدية».

    كلهم خطاؤن وأخطأوا، وكلهم لم يجتهدوا ليصيبوا، لكنهم أصابوا أبرياء، وتجاوزوا بحق أتقياء، واعتدوا بغشم وغشاوة لم يسبق له مثيل على ثوابت إنسانية وحريات عقائدية، وبديهيات تعبنا من الدفاع عنها وتوضيح مآربها، وتشكيل خطوطها الحمراء، لكن لا حياة لم تنادي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها