النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11558 الأحد 29 نوفمبر 2020 الموافق 14 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

الروائي المفكر البحريني العربي عبدالله خليفة..

وطــــن للثقافــــة وثقافــة للوطــن..

رابط مختصر
العدد 11525 الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 الموافق 10 ربيع الأول 1442

  • هكذا وعي ثقفن ذاته، لا يمكن أن يكون سوى مشروع

 

إن الثقافة الوطنية في عالم الكاتب المبدع والمفكر البحريني الجسور عبدالله خليفة جزء من مشروع فكري كبير وواسع يجوس أعماق وآفاق محطات ومنعطفات وتحولات وصراعات واشتباكات حدثت وتنامت وتداخل واحتدمت في أرجاء وأصقاع الفكر العربي والإسلامي القديم والمعاصر. 

ولعل الرؤية التقدمية المستقلة الثاقبة والفاحصة والشاخصة لدى كاتبنا الوطني المفكر عبدالله خليفة في هذه الثقافة المشروع، لا تدع مجالاً للحديث عن الرأي الانطباعي أو الحديث عن التجربة الإبداعية بمعزل عن مشروعه الفكري أو الوقوف عند سيرته الذاتية بمعطياتها التقليدية الأفقية الناجزة أو الوقوف دون خوض في مختبراتها النضالية والصراعية الشاقة، إنه يتماهى فيها دون هوادة وكما لو أنه جبل بذاتٍ قُدّت من فكرٍ منذ الصنيعة الأولى لخلايا وعيه. 

وهكذا وعي ثقفن ذاته، لا يمكن أن يكون سوى مشروع، وهكذا مشروع لا يمكن أن يكون سوى أنشودة أنغولية تنشد الحرية وتشدو بها. 

هو عبدالله خليفة الذي مذ فطنت خلايا ذاكرتنا به وهو المهيأ لحوار ساخن لا يهدأ أواره وهو المعترك في الاشتباكات والمساجلات الفكرية العميقة، هو المسكون بالهم والوطن والحلم والفرح والأمل، هو المنتصر لكرامة الإنسان وكبرياء الفقراء والكادحين والمسحوقين، لا يهادن ولا يساوم ولا يجامل، شامخًا باسقًا كنخيل دلمون، نضرًا وإن كان وحيدًا كزهرة البيلسان، تشتد أغصانه وتخضر كلما كابدته معاناته ومعاناة شعبه ووطنه، يمضي على قلق وهو ينافح عن فكره ورأيه كالرمال المتحركة، فضاؤه الفكري مساحة للجدل والخلق، ووقته زمن غابوي كثيف للإنتاج والإبداع. 

منذ استباره أعماق بحر الرواية وهو لا يكف عن البحث عن اللآلئ المفقودة أو ربما عن فردوسه المفقود، عبدالله في سعة البحر وفي لججه وفي أعماقه وفي كل تفاصيل 

 وتضاعيف وتقاسيم الوطن، في مدنه وقراه، في أساطيره وتراثه، في دهشته الساحرة والمسحورة، في ينابيعه العطشى، في ألحان شتائه الشجية وفي أغانيه المائية والنارية، في نسائه الباذخات وفي نسائه الشامخات الشاهقات. 

ما الذي لم يكتبه عبدالله خليفة عن الوطن؟ لا شك أن المخيلة مكتنزة بقصائد لم تنشد بعد، كأقلفه الثمانيني الذي أثار جموح اللغة والفكر في الثالثة بعد الألفين، وكمشاريعه الفكرية التي تنتظر مصداقية شفافية العصر لتنجلي وتتجلى في سماء الفكر العربي. 

هو عبدالله الذي ما أن تغيب عن البال شاردة إلا هو واردها، وهو الذي يرى في الفكر والفكر وحده، زاهدًا من عمّده بالكرامات والجوائز والتحافي والتزكيات المرسمنة، هو القاريء للحياة مثلما هو السابر في الفكر، فحياته وفيؤه وظله أصدقاء وعمال بسطاء، ومن فكره يجود ولا يبخل، ومن وحي ورحيق صحبه ومعينه يتجسد رواية أو قصة أو دراسة أو مسرحية أو مقالاً. 

الثقافة المشروع لدى عبدالله خليفة وسط هذا المشغل الحياتي الفكري المركب، ليست آنية أو طارئة أو عابرة، هي أزمنة تتداخل ورؤى تتصارع ومطاليب تتمأسس وتاريخ حافل بالمكائد والدسائس والنضال والمواجهات العنيفة الضارية، هي قراءة للراهن والمستقبل، قراءة لم تعقها جدران الزنازين الرطبة وظلامها الموحش الموارب الفاتك، ولم تغوها المغريات.

الثقافة النيرة المتقدمة هي أولى الأولويات الفكرية لدى عبدالله خليفة، فمن يزعم بأن الثقافة آخر الأولويات في مشاريعنا الوطنية، لا يدرك في الشأن السياسي سوى أخماسه وأعشاره، ولنا في نقيضه أسوة بذخائر عبدالله خليفة الفكرية، ولو أحصينا نتاج عبدالله خليفة الفكري والإبداعي كمًا ونوعًا وتميزًا لرأينا ـ عبدالله ـ لا يزال شابًا يافعًا فارعًا يتحدى الزمن وكما لو أنه يشكله كيفما يشاء ووقتما يشاء، إنه يرحل ويغادرنا وفي حوزته من الروايات والقصص القصيرة قيد الطباعة والنشر ما يربو على الخمسة عشر رواية وعشر قصص قصيرة، وذلك بعد أن أصدر ما يربو على السبعة والعشرين رواية وعلى السبعة مجموعات قصصية قصيرة، وعلى الستة كتب في مجال الدراسات النقدية والفكرية. 

متى يسترخي عبدالله خليفة وهو الذي ينشد في التياذه للفكر شاغلاً ومنشغلاً أجمل منتجع للاسترخاء؟ أو بعبارة أكثر استرخاء، يبدو أن عبدالله خليفة لا يسترخي إلا حينما يسترخي شاغلاً ومنشغلاً، لذا حين غادرنا، جعلنا مشغولين ومنشغلين بنتاجه الذي صدر والذي لم يصدر بعد.. 

للثقافة الوطنية جذور وللوطن جذور ولعبدالله خليفة جذور الثقافة والوطن..

عبدالله خليفة فكر للوطن ووطن يفكر في مساحات الوطن الأوسع..

تمضي على رحيله ست سنوات ولا يزال في الوقت متسع لإبداع وفكر لم يصدرا بعد.. متسع لحوار لا ينتهي.. 

عبدالله خليفة.. وطن للثقافة وثقافة للوطن..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها