النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11558 الأحد 29 نوفمبر 2020 الموافق 14 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

ثوار تحولوا إلى طغاة

رابط مختصر
العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442

ما أكثر الثوار الذين تحولوا إلى طغاة في العصر الحديث، حتى أننا لا نستطيع حصرهم جميعًا، وأغلبهم من بلدان العالم الثالث، فالغرب انتهى من الثورات، ولم يعد في حاجة إليها، ويعيش المواطن الأوروبي في استقرار لا تقطعه الحروب الأهلية والتناقضات الطبقية الحادة ولا سوء توزيع الثروة، ولا عدم تأمين حاجاته المعيشية. تلك أصبحت بديهة نعرفها جميعًا، كما نعرف بعض الثوار الذين ظهروا في المرحلة التي عاصرناها، في منتصف القرن الماضي في الوطن العربي. 

فكيف يتحول الإنسان، من مطالب بحقوق الشعب إلى سالب لهذه الحقوق، ومن ملاك إلى شيطان، ومن وطني غيور إلى طاغية مستبد لا يتورّع عن تعريض بلاده للتدخلات الأجنبية في سبيل الحفاظ على سلطته المطلقة؟ أعتقد أن هذه الظاهرة التي تكررت كثيرا في الوطن العربي، والدول النامية، تحتاج إلى وقفة، لمعرفة أسباب هذا التحول الجذري لهؤلاء الثوار قبل استلامهم السلطة، وبعد استيلائهم عليها.

  وربما نحتاج لذلك إلى مفكرين وعلماء نفس، فالبشرعندما يكونون خارج السلطة، هم غيرهم عند استلام السلطة، الحالة تختلف تمامًا، كما أعتقد أن ما حدث من تغيّرات من النقيض إلى النقيض لقادة كثيرين، يؤكد أن السلطة تغيّر البشر، وأن لها تأثيرًا سلبيًا وسحريًا على النفوس، كما تحول الإنسان من موقف إلى آخر. 

ونستطيع أن نلاحظ هذه الآثار الغريبة للسلطة، ليس في المجال السياسي فقط، فالسلطة حتى وإن كانت صغيرة عند مدير في مؤسسة أو وزارة تُشعر صاحبها بالقوة والتميّز والتحكم في مصائر من تحت إمرته، ما يجعل هؤلاء في خشية على الوظيفة وانقطاع الرزق وما يتبع ذلك من تدهور في حياتهم. 

ومثل هذا التسلط يكون أكثر تماديًا في البلدان الفقيرة النامية، حيث الفقر والحاجة المادية الماسة، في غياب أنظمة وقوانين للحماية الاجتماعية. وإذا كانت السلطة الكبيرة تَضاعف لدى صاحبها الشعور بالقوة والمنعة وحاجة الناس إليه، فيصبح هذا المتسلط أكثر ضررًا وأكبر خطورة. وكثيرًا ما تصيب هذه السلطة صاحبها بالغرور فهو يمتلك امتيازات متعددة (بحكم المنصب)، تؤثر في حياة الآخرين، وفي هذه الحالة تتورم ذات الرئيس أكثر، وتتضخم أناه الداخلية فيصاب بجنون العظمة، ويذهب الرئيس أو الزعيم الملهم صاحب الألقاب الرفيعة إلى التفرد بالقرار، وعدم الإصغاء إلى من حوله. 

وفي هذه المرحلة يدخل المتسلط في غيبوبة السلطة فهو القائد العظيم الفذ الملهم المحصّن من الأخطاء، الذي لا يقبل إلا أن يكون مطاعًا من الجميع. ثم يُحيط الزعيم العظيم نفسه ببطانة من الأشخاص الذين يكرّسون لديه هذا الشعور المريض، فهو لا يطيق المخالفين لرأيه، ولا يقبل النقد أو النصيحة، ويستلذ بهذه البطانة التي لا يصدر منها إلا الإطراء والتمجيد والتعظيم وما شابه مما يرضي غروره. 

ومن صفات كل البشر حب الرئاسة والزعامة والظهور والتميّز والتفوق وإشباع الذات التي بحكم الرئاسة تكون أكثر جوعًا ونهمًا، وعادة ما تحدث هذه الحالة عند زعماء السلطة المطلقة، فيجد الزعيم أو القائد أو الرئيس أن قوته غير محدودة، وتأثيره لا يقف عند حد، وهنا يتأسس الطاغية.

أما سبب فساد هؤلاء الذين شهدنا نماذج منهم في الإنقلابات العسكرية في الوطن العربي والعالم الثالث، فمن السهل اكتشافه، فقد وُلد الإنسان وفي أعماقه شهوة ضارية للتملك والمال. ويقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)، فإن وجد الإنسان فرصة للغنى والغنى الفاحش لن يتأخر عنها.

نستطيع أن نرى هنا ما يحاط به الثائر القديم (الذي كان بلا مال أو سلطة)، بالمغريات والظروف التي تدفعه إلى الفساد والتسلط. لهذه الأسباب، وفي بحث المفكرين والفلاسفة والمصلحين عبر الأزمنة والتواريخ، عن حلول للتخلص من هذه العيوب والمثالب التي تدهور الأوطان، ولضبط الفساد المالي والسياسي، وصلوا إلى مرفأ الديمقراطية الذي كلما كان أفضل، كانت الحرية أوسع، والفساد أقل. ونستطيع أن نختبر تلازم الديمقراطية مع انحسار الفساد من خلال تجارب الشعوب في العالم، تلك التي تتدرج وتختلف بدرجة النظام الديمقراطي وجودته، فنرى انحسارًا أكبر للفساد في الدول المتقدمة وانحسارًا أقل للفساد في الدول النامية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها