النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11557 السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:26PM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

دا سيلفا من ماسح أحذية إلى رئاسة دولة

رابط مختصر
العدد 11519 الأربعاء 21 أكتوبر 2020 الموافق 4 ربيع الأول 1442

  • جهده الإنتاجي في العمل أوحى إليه بموقعه التاريخي في علاقات الإنتاج

 

الدنيا كما نعرفها اليوم لا تختلف في جوهرها عما كان يعرفها أجدادنا الأولون ولا نتوقع لها أن تختلف في آت الزمان مهما بَعُدَ عن حاضرنا الذي نتعارك فيه اليوم؛ هناك من يكتفي بحاله رغم ضنك العيش، وهناك من يتملكه طموح يدفعه دفعًا، إراديًا ولا إراديًا، لتسلق الجبال، أو تسلق سلم هنا وسلم هناك، إلى أن يصل إلى ذروة الطموح خدمة لذاته، وإذا كان الطموح سياسيًا فإن خدمة الذات، بقصد أو بغير قصد، يصاحبها آنيًا قلب لموازين القوى في صالح الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، في إطار الصراع التاريخي الدائم بين قوى اجتماعية لا يستقر الحال بينها بفعل المصالح الطبقية المتناقضة. كثيرون يمشون بمحاذات الجبال وعيونهم شاخصة إلى تراب الأرض يبتغون زرعها، وآخرون، وهم القلة شبه النادرة، عيونهم شاخصة إلى أعالي الجبل يتفكرون كيف الصعود والوصول إلى قمة الجبل. قمة الجبل، بذاتها، لها قصص خاصة بها؛ وملخص القصص كلها، أن ندرة من الناس صعدوا إليها وتربعوا على عرشها، وبضعة من الناس ورثت العرش وأورثتها أو سقطت عنها؛ والسقوط بحكم الزمان وطبيعة الحياة آت إن آجلاً بمدد، أو عاجلاً دون مدد.

ومن الذين صعدوا إلى قمة الجبل وتربعوا على عرشها مدة 8 سنوات هو إنسان فقير طموح كان يعيش تحت أقدام الجبل، ويؤمن سبل عيشه بمسح الأحذية، وبعض من الأعمال الشبيهة، وبعدها عاملاً في مصنع للصلب؛ مساحة العمل من مسح الحذاء إلى لمس الحديد لم يرفعه قيد أنملة عن سطح الأرض عند قاع الجبل. جهده الإنتاجي في العمل أوحى إليه بموقعه التاريخي في علاقات الإنتاج، فوضع يده بيد زملاء العمل وتضامن معهم في النشاط النقابي، ولم يكتفِ بالنشاط النقابي المطلبي، بل رأى أن المطالبة بالحقوق الطبقية لا يمكنها أن تتحقق إلا عبر النشاط السياسي، فأسس حزبًا سياسيًا هو حزب العمال، واسم الحزب مؤشر على طبيعة نشاطه السياسي، وهو أول حزب يتبنى نهج الاقتصاد الاشتراكي؛ وهذا النهج الجديد هو إيذان بتبلور الصراع السياسي وطنيًا وتحالف إقليمي مع قوى تتبنى ذات النهج. إنه الرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي صعد إلى كرسي الرئاسة وبقى عليها مدة 8 سنوات من 2003 إلى 2011، إلى أن تغير ميزان القوى في غير صالح الطبقة التي يمثلها، فآل الكرسي إلى خصمه الطبقي بولسونارو الذي يخدم نفسه وطبقته الاجتماعية، وبالاحتماء تحت وصاية العسكر، مما عزز هيمنة العسكر، وهذه الهيمنة العسكرية يمكنها أن ترتد على الديمقراطية التي ما زالت في بداية المشوار. الرئيس الجديد ذو النزعة اليمينية المتطرفة له جولات وصولات في ساحات قضية البيئة وجائحة كورونا لا تبشر بالخير، فليس من أولوياته المساهمة في تطهير البيئة من التلوث المتصاعد ولا معالجة الوباء الصحي السائد بفعل جائحة كورونا، بل أن عبادة المال التي تجري في دمه تضخها نبضات قلب متلهف إلى الربح. الصراع محتدم ببن اليمين واليسار، والإعلام ساحة الكر والفر؛ وساحات الإعلام لا تختلف عن ساحات الحرب حيث إن الكذب والخداع وتشويه الحقائق هي أدوات فاعلة للدفع إلى الانتصار. فكل كلمة و كل لفتة وكل إشارة يمكن استثمارها في الصراع على ساحة الاعلام. لفتة خرجت من ثنايا نفس الرئيس السابق دي سيلفا عندما كان يتوجه إلى الشعب بالخطاب الرئاسي الأول؛ في أثناء الخطاب أخرج حذاءً جديدًا ورفعه ليراه الحضور، كان النور ينعكس من على سطحه الأسود من شدة لمعانه؛ هذه اللفتة الحذائية من رئيس كان في السابق ماسح أحذية تلقفتها وسائل الاعلام المضاد، بأنواعها، وحاكت حولها قصصا تتماهى مع الأغراض السياسية في ساحة المعركة، بينما الحقيقة مدونة في الخطاب الرسمي، و لكن أكثر الناس تميل إلى مواضيع الإثارة لأن الحقائق جافة. طبعًا لا يمكن للصراع، من خلال الحرب الإعلامية، أن يدور في حلقة واحدة، بل أن جنرالات الحرب الإعلامية يسعون جاهدين بكل ما أوتوا من ذكاء الخبث أن يتعقبوا حياة الخصم من قول، ولو كلمة، ومن فعل، ولو بريء غير مقصود، وزلة لسان إلى هفوة، ودينار هنا وهناك ولو جاء شرعًا (حلالاً)، من أجل تأليف (فبركة) قصة فضائحية مثيرة يتلمظ لها أصحاب الفضول الساذج الرخيص؛ وتتحول القصة المعدلة بحنكة الفبركة إلى ملف قضائي. يكفي أن تكون هناك قضية أمام القضاء حتى يرتبك الخصم وينحرج الاتباع والحلفاء، ويتحول الرأي العام من كفة في الميزان إلى الكفة الأخرى، حتى قبل النطق بحكم القضاء (إن بعضًا من الضرب تحت الحزام يحقق الانتصار). القصة المثيرة التي تحولت إلى مادة في ملف القضاء تتلخص في كلمة ادعاء الخصم بأن الرئيس (السابق ماسح الأحذية) فاسد يتلقى رشى استغل كرسي الرئاسة لمصالحه الخاصة، ويحقق مكاسب تتلخص في الآتي: «حسب أوراق القضية يمتلك الرئيس الأسبق ثلاث شقق، وقطعة أرض، وسيارتين، وحسابين مصرفيين بهما ما يعادل 190 ألف دولار». رئيس دولة نفطية، ناتجها القومي يتخطى 1 تريليون دولار، وقوة شرائية تعادل 1.8 تريليون دولار، ورتبتها التاسعة على مستوى الاقتصاد العالمي. إن الفساد وتلقي الرشى في دولة بهذا المعيار الاقتصادي ومن قبل أعلى سلطة في الدولة متوقع أن يكون حجمه بعدد المليارات لا عدد من الشقق وسيارتين وحساب بنكي في متناول أي موظف في الدولة أو في القطاع النفطي. إن معادلة حجم الفساد المنسوب إلى الرئيس دي سيلفا مقارنة بالحجم المتوقع في دولة من معيار البرازيل، ومقارنة بالفساد الحاصل فعلاً وجهرًا والعين ترى في دول فقيرة، لهو دليل واضح بأن القضية ذات طابع سياسي وبأدوات كيدية؛ بكل بساطة لأن الرعيل السابق المتنفذ من بارونات المال وسادة الاقتصاد يشمئزون ولا يستسيغون صعود ماسح أحذية خرج من كهوف الفقر إلى كرسي الرئاسة في دولة نفطية ثرية. الرئيس الجديد الذي صعد إلى كرسي الرئاسة على أنقاض قضية منسوبة ضد الرئيس السابق له في الفساد واستغلال المنصب ما يفوق كل أشكال الفساد، فأياديه ملطخة في جريمة حرائق غابات الأمازون من أجل الحصول على مساحات ضخمة من الأراضي يستثمر فيها أسياده بارونات المال؛ هذه جريمة تتعدى آثار الفساد، و الجريمة الموازية هي عدم اكتراثه لسلامة الشعب أمام جائحة كورونا حيث أصبحت البرازيل هي الثالثة عالميًا في معدل انتشار الوباء بعد أمريكا والهند، وقد تخطت الإصابات خط 5 ملايين والموتى فوق المائة وخمسين ألفًا. لقد أعرب الرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا عن تخوفه من وقوع «إبادة» في بلاده بسبب المعارضة الشديدة التي يبديها الرئيس الحالي بولسونارو لإجراءات الحجر المتبعة لكبح انتشار فيروس كورونا الجديد. وللعلم فإن سياسات الرئيس دا سيلفا لعبت دورًا كبيرًا في خفض نسبة الفقر في البلاد، وهذا يعتبر من أعظم الإنجازات التي يمكن أن يحققها أي زعيم لوطنه. 

مقارنة بين الرئيس الأسبق ماسح الأحذية والرئيس الحالي ماسح الجوخ.. فأين موطن الفساد الحقيقي الذي يلتهم حقوق المواطنين ويحط من كرامة الوطن؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها