النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11557 السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:26PM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

الدولة الوطنية أو الأمة

رابط مختصر
العدد 11518 الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الموافق 3 ربيع الأول 1442

نعم نعتز بعمقنا وامتدادنا العربي ولكننا في وقت لابد لنا فيه ان نطرح السؤال المصيري، أيهما يأتي قبل الآخر: بناء الدولة الوطنية او الامة العربية مثلا؟ والجواب على هذا السؤال سيحدد مصيرنا ومستقبلنا. هل بالامكان ان نبني امة عربية قوية متماسكة واحدة او حتى دينية من غير وجود دول وطنية قوية لديها كافة مقومات وامكانيات البقاء والتقدم؟ 

لا أطرح هذه التساؤلات من باب التفضيل انما من اجل ان ندرك ان الواقعية والعقلانية تحتم علينا مراجعة تصوراتنا بخصوص هويتنا ومن نحن وماذا نريد ان نحقق. عقود طويلة مضت تم تسويق فكرة الامة وكأنها كيان حي وصلب وبمجرد ظهور قائد مغناطيسي يمتلك النزاهة والنية الطيبة فستتداعى له بقية الامصار والأقطار وسيكون كالمغناطيس يجمعهم ويلتصقون فيه! عقود مضت ونحن نسمع انماط وافكار عاطفية حماسية عن الامة وفي كل مرة تمر هذه الامة في تحدي نزداد تفكك واختلاف وللأسف ضعف، لأننا ببساطة لم نفهم ان الامة ليست الاصل إنما بناء دول وطنية عربية قوية هو الاصل. 

فعندما نسخر كل امكانياتنا وقدراتنا لبناء دولة وطنية متماسكة، نقوي اركانها ونعزز من دور مؤسساتها ونثبت مبدأ الدولة المدنية القائمة على التعدد والتنوع في ظل احترام الدستور والقانون وان الجميع باختلافهم واختلافاتهم مرجعيتهم المشتركة هي الدولة الوطنية بدستورها ومؤسساتها وهي ما تحكم وتجمع هذا التعدد فلا تكون هناك جماعة تدين بالولاء لجهات خارجية سواء بذريعة العرق او الدين او المذهب او الايدلوجية او القبيلة او اي شي آخر. 

وعندما نتفق كمواطنين اننا بكل تنوعنا نقف على ارضية مشتركة لا نختلف عليها وهي الدولة الوطنية ونعمل وفق دستورها وفي اطار مؤسساتها فعندها تستطيع الدولة ان تسخر امكانياتها لتقوية وتثبيت اركانها وتعزيز مصادر قوتها التي تجعلها دولة منخرطة في النظام الدولي بثقل وتأثير يمكنها من فرض وحماية مصالحها، دولة لا تنظر للخلف انما تسير واثقة الخطى للمستقبل، يحتاجها العالم مثل ما تحتاجه لما لديها من انتاج وتنمية وتقدم تقدمه لهم وتساهم في صناعة المستقبل بالذات في هذا الوقت الذي يواجه فيه العالم تحديات مشتركة تحتاج مساهمة وتعاون الجميع لتخطيها مثل جائحة الكورونا والتحديات الاقتصادية والبيئة. 

وعندها بالامكان الحديث عن الامة، فالاتحاد الاوروبي لم يقوم ويقوى على دول رخوة ضعيفة ومركز قوي إنما على دول وطنية قوية لديها القدرة على حماية وتعزيز مصالحها وبعدها اجتمعوا وهم يعلمون ما ستقدمه كل دولة منهم لا على عواطف مشتركة. على الرغم من اننا نمتلك من عناصر تجمعنا وتسهل اتحادنا اكثر بكثير من ما تملك دول الاتحاد الاوروبي، فلدينا اللغة والدين والتاريخ المشترك ولكننا كمجموعة دول كنا في مراحل مختلفة من بناء الدولة ولم تصل بعد كل الدول العربية لذات المرحلة، فهناك دول انظمتها تحولت من ملكية لجمهورية واخرى الى وقت قريب كانت تقاوم الاستعمار الاجنبي، وحدها دول الخليج العربية التي تمتلك انظمة حكم بدأت من القرن الثامن عشر الى اليوم. 

لذلك لابد ان نستثمر في تقوية بناء الدولة الوطنية الجامعة لا ان نسمح بظهور هويات تتجاوز الهوية الوطنية وتنتمي للدولة عندما تتطابق مصالحها معها وتتجاوزها عندما تختلف او تتضارب المصالح بين هوية الجماعة (أيًا كانت، عرقية، اثنية، قبلية، دينية، مذهبية او ايدولوجية) مع هوية الدولة الوطنية. 

اننا نؤمن ان تنوع المجتمع عنصر قوة للدولة إنما ضد ان تكون مصالح وهوية اي جماعة اهم ولها الاولوية على الدولة الوطنية وهويتها الجامعة وان مرجعية الجميع عند الاختلاف او الاتفاق هي اركان هذه الدولة من نظام حكم ودستور وقوانين وداخل مؤسسات الدولة. 

موضوع صراع الهويات سبق وان تكلم عنه بتوسع مفكرين كبار من امثال د. محمد جابر الانصاري وأمين معلوف ولكننا نعيد طرحه اليوم لأهمية المرحلة التي تمر فيها منطقتنا وان البعض مازال يعيد تدوير ذات الاتهامات للدول التي تسعى لبناء وتعزيز امكانياتها بأنها انانية وتخون الامة وكأنها اذا اضعفت نفسها ستكون قادرة على خدمة الامة!! لذلك لابد ان تعلم الاجيال القادمة ان مساهمتها في بناء وتقوية دولتها الوطنية لا يعد خيانة للامة انما عمل وطني مشرف قد يمهد الطريق لنهوض امة قوية متماسكة لديها امكانيات البقاء والتأثير لا مجرد عواطف واماني غير واقعية ولا ارضية صلبة تبنى عليها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها