النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11858 السبت 25 سبتمبر 2021 الموافق 18 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:31PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

«أدونيس» يخسر معركته الأخيرة

رابط مختصر
العدد 11512 الأربعاء 14 أكتوبر 2020 الموافق 27 صفر 1442

لم أجد عنوانًا مناسبًا أستكمل به حزني على فرصة العرب الأخيرة في نوبل للآداب، انتظرنا دهرًا حتى فاز نجيب محفوظ فارس الرواية العربية بالجائزة المشكوك في مآربها، وانتظرنا دهرًا إضافيًا مع الشعر العربي ربما ينال أحد عمالقته المكانة «الدولية» ذاتها.

انتظرنا أن يكون الشاعر العربي السوري علي أحمد سعيد الملقب بـ«أدونيس» على منصة التتويج، فعندما رأينا اسمه ضمن القائمة الأخيرة من بين المترشحين هللنا وفرحنا، وقدمنا التهاني لبعضنا البعض، وقلنا لأنفسنا أن الحظ سوف يبتسم أخيرًا للشعر العربي، فالرجل الذي ملأ الدنيا شعرًا وتنظيرًا له، والشاعر والمفكر العربي بنظرياته الغربية «المستعربة» أو العربية «المستغربة»، لابد وأنه سوف يذهب وهو في التسعين من عمره لتشريفنا جميعًا أمام أمة الإنسانية.

وبالفعل استعد الأدباء بل والشعراء العرب بالمقالات، والروايات، والحكايا، وبدأت المجلات والصحف العربية والمواقع العابرة للفضاء الخالي من الدسم، في إعداد ملفات كاملة عن أدونيس، لماذا هو بعد طول سنين؟ ولماذا هو بالتحديد؟ لماذا لم يكن (س) أو (ص) من الذين تقدموا عنه في السن ومازالوا على قيد الحياة أمثال أحمد عبدالمعطي حجازي ومن قبله محمود درويش أو سميح القاسم من قبل أن ينتقلا إلى جوار ربهما؟ لماذا أدونيس، ولم لا؟

لأن أدونيس ظل طوال عمره يدافع عن فكر قصائده، بل ويطرح هذا الفكر من منصات استدلالية بالغة التركيب، فعلها مع كتابه السبعيني «مقدمة في الشعر العربي الحديث»، ثم عاد وكرر فعلته مع أجزائه غير المجتزئة من ملحمته الفكرية الثابت والمتحول، صارت مؤلفاته التي تُنظر، وتفتح آفاقًا جديدة للتفكير، لحريته المباحة، وانطلاقاته المتاحة، فعل ربما بمنتهى الجرأة والشجاعة ما كان يعطل الآخرين من الشعراء عن الفعل، وكان من القلائل الذين التمسوا لأنفسهم فيما كتبوه من شعر الكثير من الأعذار، والعديد من الاعتراف بالفشل، حدث ذلك عندما جاء «قصائد أولى» ليشق طريقًا وسط ضباب الطبيعة، وهي تحمل الندى على الذبول فوق أوراق الشجر، وعلى العبوس عندما ينحني النظر ليُقبل بالحدقة الشغوفة كل ما كان يقع تحت العين في «أغاني مهيار الدمشقي» ثم في «وقت بين الرماد والورد»، قبل أن يبلغ الانكسار مداه في «مفرد بصيغة الجمع»، وحالة حصار وما بعدهما.

ظن الشعراء العرب أن الدنيا سوف تعود وتبتسم لهم بعد تجاهل، فاحتفوا بأدونيس قبل الأوان، وقطفوا أزهار المرحلة من دون أن يكون موعد الحصاد قد حان، وبدأوا في جني الثمار التي لم يحالفها حظًا أوفر على أي منصة عالمية أخرى.

وقبل أن تأزف الآزفة، ويسقط النبأ كالصاعقة على أمة العرب الخياليين تم الإعلان عن فوز الشاعرة الأمريكية لويز غلوك باللقب، والشهادة لله أنني لم أكن قد قرأت للسيدة الأمريكية المتوجة بـ«نوبل» الكثير، عرفتها من خلال قصائد متفرقة وكانت حتى لا يقال أننا مصابون بعقدة الخواجة، تكتب شعرًا إنسانيًا يتجاوز حد القبول النسبي بين الأمم، حيث كان شعرها وسيظل خالدًا إلى الأبد من خلال أطروحتها المطلقة عن الوجود شعرًا وليس «سرتريًا» عن العدم وجودًا ولم يكن شيئًا آخر، عن قيمة الحياة وقدرتها على مواجهة الموت، ثم وقدرة الموت عندما تنتصر إرادة الحياة.

لم تأتِ «غلوك» من المجهول لكي تقفز في غمضة عين على «نوبل»، ولم تهدأ شاعرية أعمالها التي حصدت جوائز أوروبية وعالمية أخرى مثل «العصور السبعة» عام 2001، أو انتصار «آخيل» عام 1985 الذي حصد الجوائز والاعتبارات، ثم حياة جديدة عام 1999 الذي يمسك بين الأساطير واللامرئيات، بين هموم السير الذاتية وتلك التي تحوم حولها المُطلقات.

لويز غلوك تخطف من تاريخ الشعر العربي كله جائزة بجميع الجوائز، ومكانة طرحت شعرنا الذي تغنينا به قرونًا طويلة، أرضًا لم تعد خصبة لإخراج أدونيس آخر، أو طه حسين جديد كأول عربي يتم ترشيحه مرتين لهذه الجائزة المرموقة، وقعت المفاجأة كالهول في محيط هادر، وكالمسافة حين يبتعد قدرها بآلاف الأميال حتى لا نصل.

رغم الانتصار الأمريكي على المحطة «شبه الأخيرة» في شعرنا العربي، ورغم دماثة الخلق التي يتحلى بها أدونيس دائمًا عندما يخسر معركة فيخوض حروبًا طويلة من أجل البقاء، إلا أن الألم الذي يعتصر كل عربي من ضياع الفرصة الشعرية الأخيرة لنا، وأقول أخيرًا لأن المترجم من شعر الذين جاءوا بعده أقل من شحيح، والمعروف أو المنشور من قصائد للمتميزين لم يرَ النور بعد.

أدونيس عندما التقيته في إحدى زياراته للبحرين فاجأني بخمسة محاذير تبتعد بها الأعمال الأدبية العربية عن نوبل وأخواتها، حيث حدد الشاعر الكبير الرأس العربية كوطن أكبر تعشش فيه هذه المحاذير الخمسة، وهي: الدين، السياسة، المرأة، العادات والتقاليد، الهم الخاص وانتصاره على الهم العام، ثم نظر إلى سقف الغرفة في الفندق الذي التقيناه فيه ليقول: إن لم نكتب بأجسادنا وليس برؤوسنا فإننا أبدًا لن نبلغ العالمية.

أمة اقرأ كانت تنتظر الفرج على يد «أدونيس»، لكنها أجابت من قبل أن تعلن لجنة الجائزة كلمتها الأخيرة، ومن قبل أن يرجع الصدى من أدونيس نفسه ليقول لأمته: قد كنت بقارئ إنما لا حياة لمن تنادي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها