النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11557 السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:26PM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

(حَدُّونَّا على أقصانا).. بندر بن سلطان

رابط مختصر
العدد 11511 الثلاثاء 13 أكتوبر 2020 الموافق 26 صفر 1442

تابعت - كما غيري - ما طرحه الأمير بندر بن سلطان على شاشة العربية يوم (5 أكتوبر 2020م) وعلى مدى ثلاث حلقات متتالية من معلومات وحقائق مثيرة حول العلاقات السعودية الفلسطينية من واقع تجربة حقيقية عاش سموه أدق تفاصيلها شخصيًا على مدى سنوات عمله الدبلوماسي سفيرًا لخادم الحرمين الشريفين في واشنطن لأكثر من عقدين من الزمن، وأمينًا عامًا لمجلس الأمن الوطني السعودي السابق لمدة عقدٍ كامل. 

وهالني الكمّ الهائل من الوقائع والأحداث التي سردها سموّه، خاصة ما تعلَّق منها بالفرص الذهبية المهمة التي أضاعتها القيادة الفلسطينية للوصول إلى حلٍ لقضيتهم العادلة والتي وصفها بـ(قضية فلسطينية عادلة أدارتها قيادة فاشلة، وقضية إسرائيلية غير عادلة أدارتها قيادة ناجحة)! 

وأخذتني الأفكار إلى التاريخ العربي منذ بدء حركة تحرر الشعوب العربية من براثن الاستعمار في خمسينيات القرن الماضي وقيام الثورات العربية التي كان أهمها ثورة الضباط الأحرار في مصر عام (1952م) وسقوط الملَكية التي تبعها تساقط العديد من الملكيات العربية بسبب الانقلابات العسكرية وقيام الجمهوريات الأيديولوجية والانقلابات البعثية التي أقامت أنظمة ثورية ديمقراطية، فتلاعبت الأهواء والوعود والشعارات الرنانة بالشعوب العربية وزعزعتها الانقلابات الدموية والصراعات الحزبية بسبب الأهواء وسياسة المصالح الخاصة لدى تلك القيادات التي هوى نجمها إما في انقلاب عسكري أو إعدامات علنية إقامتها قيادات دكتاتورية أخرى اعتلت السلطة بالبيان رقم (واحد) الذي استمع إليه جيل الستينيات والسبعينيات، ليضيع الإنسان العربي في دهاليز الزمان المظلم مقهورًا ومتأثرًا بنظريات جوفاء عن الحكم الرشيد والنظام التعددي ودولة العدالة والمساواة وحكم القانون! 

لقد عملت دول الاستعمار القديم بقوة السلاح أو بمعاهدات الحماية في نهاية القرن التاسع عشر على استمرارية حكم الفرد وترسيخه بين الشعوب العربية لتضمن مصالحها المتعلقة بالسيطرة على الثروة النفطية وتأمين وصولها إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وتأمين الملاحة البحرية في أعالي البحار والممرات المائية والتحكّم في أسعار الطاقة النفطية التي هي المحرك الحيوي لعجلة الصناعة الأمريكية والأوروبية. 

لذلك كان لوقف تصدير النفط إلى أوروبا إبان الحرب العربية الإسرائيلية عام (1973م) آثارًا كارثية على الاقتصاديات الأوروبية والأمريكية وكانت سببًا مباشرًا وراء اغتيال المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية بسبب موقفه المتضامن مع القضية الفلسطينية ومصر وسوريا في حرب أكتوبر التي قادها الزعيم الفذّ أنور السادات تلك الحرب التي أعادت بريق الأمل للأمجاد التاريخية والنصر العربي العظيم بعبور الجيش المصري قناة السويس وتحطيم أسطورة (خط بارليف)، وهو الحدث الذي أشار إليه سمو الأمير بندر بن سلطان. 

إن القضية الفلسطينية تراوح مكانها منذ أكثر من سبعين عامًا بسبب استغلالها المؤسف والبشع من قبل قياداتها لأجل التربّح وتحقيق الثراء المالي بتعمّد استمرارها دون حل ودون نهاية، ولتستمر دول الخليج العربية في دفع فواتير هذا الإثراء بلا مقابل سوى إيمانها الحقيقي بالقضية الفلسطينية والذي من أجله قامت دول الخليج بدعم مواقف القيادات الفلسطينية الفاشلة في المحافل والمؤتمرات الدولية رغم توجهاتها الخاطئة. 

وجدير ذكره هنا، ما شهدتهُ شخصيًا على فساد القيادات الفلسطينية في ثمانينات القرن الماضي مع ظهور طائرة الكونكورد الخارقة للصوت والتي اختصرت مسافة الطيران من لندن إلى نيويورك إلى ثلاث ساعات، عندما جمعت الصدفة وفدين خليجيين يقودهما المغفور له صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت آنذاك، وسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة أطال الله عمره ووزير خارجية دولة البحرين آنذاك، بالوفد الفلسطيني برئاسة مدير الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية الرفيق فاروق قدومي (أبو اللطف) في مطار باريس، وتشاء الصدف أن يكون كلا الوفدين متوجهين إلى العاصمة السنغالية (داكار) لحضور مؤتمر للدول الإسلامية، إلا أن الصورة الملفتة للنظر أن يستقل الوفدان الخليجان طائرة (البوينج 747) بينما الوفد الفلسطيني يستقل طائرة الكونكورد الحديثة التي كانت تذاكرها باهظة الثمن!! 

فكيف سمحت القيادة الفلسطينية لنفسها استغلال الأموال الخليجية التي تتحصَّل عليها في البذخ والاستجمام بدلاً من صرفها في أوجهها الشرعية والصحيحة لخدمة القضية الفلسطينية وكفاحها المسلح ومشاريع مساعدة الشعب الفلسطيني في المخيمات! 

ومع كل التغاضي والتسامح الخليجي للسياسة الفلسطينية العدائية ضد دول مجلس التعاون ومواقفها التي سجلها التاريخ -خاصة موقفها المخذل المعروف من الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت في (أغسطس 1990م) - والسياسة الفلسطينية غير المقبولة والإصرار والتمادي في قطع جسور الثقة التي كان آخرها ولن يكون آخرها موقف القيادة الفلسطينية بشقيها الفاشلين في رام الله وغزة من الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي والاتفاق البحريني الإسرائيلي، إلا أن دول الخليج استمرت في دعم القضية العادلة للشعب الفلسطيني. 

حقائق مؤلمة عرضها سمو الأمير بندر بن سلطان، تؤكد بأن القيادة الفلسطينية -كانت ولا زالت- تبيع الأحلام على شعبها وتنشر ثقافة كراهية دول مجلس التعاون التي وقفت معها في كل ظروفها الصعبة وضحَّت بدماء أبنائها في كل الحروب الفاشلة التي دخلتها الجيوش العربية من أجل تحرير فلسطين. 

فلماذا المكابرة والتمادي والاستمرار في سياسة بناء التحالفات مع القيادات العربية الفاشلة في سوريا والعراق والتي أضرَّت بالقضية العادلة؟! والثقة والخضوع لتركيا وإيران وهي الدولة المارقة التي تعمل على تحقيق أحلام الخميني بتصدير مبادئ ثورته إلى الوطن العربي، حتى صارت القيادات الفلسطينية تراهم أهم من الرياض والكويت وأبو ظبي وعمَّان ومسقط والقاهرة كما قال سمو الأمير! 

لقد أوضح الأمير بندر بأن الفلسطينيين (حَدُّونَّا على أقصانا) بعد حملة التشهير والكذب والمزايدة على المواقف السعودية، وأن طريق تحرير فلسطين هو طريق واحد معروف لا يمكن أن يمر عبر طرق أخرى عاثت فيها إيران إرهابًا وفسادًا دفعت ثمنها الشعوب العربية منذ قيام ثورة الخميني في (فبراير 1979م) وحتى اليوم، فهذه الدولة حاكت المؤامرات ضد الأمة العربية وانتهجت سياسة خارجية تقوم على أساس تعميق الخلافات الخليجية وتعزيز علاقات التعاون مع قطر على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية لإيجاد موطئ قدم لها في دول الخليج بعد أن فشلت محاولتها ومؤامراتها الانقلابية للهيمنة والسيطرة على القرار السياسي العربي والإقليمي باعتبارها القوة الإقليمية الأولى المسيطرة على منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي بعد توقيعها على الاتفاق النووي ودعمها لخطة التغيير والفوضى الخلاَّقة التي خطَّطت لها القيادة الأمريكية السابقة ولازالت آثارها المدمرة على الشعوب العربية إلى اليوم. 

تبقى الحقيقة المؤسفة والمؤلمة جدًا، والتي يجب أن يدركها الشعب الفلسطيني والشعوب العربية كافة، أن دول الخليج العربي حمِلَت همّ القضية الفلسطينية منذ سبعين عامًا وحتى اليوم، وسعت بأقصى إمكانياتها السياسية والمادية على مدى تلك العقود إلى حلها وتحقيق حلم الدولة الفلسطينية، إلا أن وجود قيادات فلسطينية غشَّاشة وكاذبة وناكرة للمعروف -كما قال سمو الأمير بندر- حال دون ذلك، ولن يكون هناك حل واقعي للقضية إلا بوجود قيادات فلسطينية شابة أمينة صادقة تستطيع قيادة الدبلوماسية الفلسطينية الجديدة والتفاوض المباشر مع إسرائيل، فالكفاح المسلَّح وجيش القدس -الذي لم يطلق رصاصة واحدة منذ تأسيسه قبل أربعين عامًا- لم يعودا مفتاح الحل للوصول إلى إقامة (الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية)؛ لذلك على القيادة الفلسطينية الحالية أن تتنحَّى وتمنح القيادات الجديدة الفرصة -التي قد تكون الأخيرة- والتي أرجو ألاَّ تضيع في خضم البحر الهائج من المزايدات والمصالح الشخصية المتشابكة والتحالفات الخاطئة للمحافظة على المكتسبات على حساب الشعب الفلسطيني.  

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها