النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11728 الثلاثاء 18 مايو 2021 الموافق 6 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:18PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

التاريخ لا يُكتب مرتين (2 من 2)

رابط مختصر
العدد 11505 الأربعاء 7 أكتوبر 2020 الموافق 20 صفر 1442

عندما تم نشر الحلقة الأولى من «التاريخ لا يُكتب مرتين»، ظن البعض «وليس كل الظن إثم» أنني أكتب تاريخًا سياسيًا، أو أسجل فكرًا اجتماعيًا، لم ينتبهوا إلى أن ما أحاول التأريخ له هي أحداث اقتصادية، مرايا رقمية، وظلال لمعادلات صعبة، أو مجرد أصداء لأصوات شديدة التداخل مع واقع من كثرة مريديه أصبح مبهمًا، كنت وسأظل أكتب عن الاقتصاد من زوايا مالية، أسواق، مصارف، استثمارات، وكنت وسأظل أتابع تحليلاتي أو تحليلات الزملاء على الهواء مباشرة من مقعد مرتبط بحركة الحياة وهي تتبادل التأثيرات مع قطاعات أخرى غير اقتصادية.

صحيح أن التاريخ السياسي يمكن كتابته مرتين وثلاث، ربما، والصحيح أن المنتصرين هم الذين يكتبون ويفرضون تاريخهم على أمم ذبلت، وأخرى ووريت الثرى، لكن الصحيح أيضًا أن التاريخ الاقتصادي يسجل حقائق دامغة، ولا يخط حرفًا إلا وكان مدعمًا برقم أو مدججًا بحدث أو متبصرًا برؤية، بمعادلة صعبة بات من العسير حلحلتها، أو فك شفرتها، أو كشف الغطاء عن رموزها.

التاريخ الاقتصادي يعاني من الذين لا يقحمون السياسة في الاقتصاد، ولا يخلطون الحقائق المطلقة، بالنسبية المفرطة، لا السياسة يمكن أن تستقبل الاقتصاد برحابة صدر، ولا الاقتصاد يسمح للسياسة بأن تفرض قوانينها المطاطة عليه.

من هنا لزم التوضيح، ومن هناك تأتي العلل وقد اقتحمت خلوتها محن، وتطاولت عليها أزمات، واعتدت عليها معاول ما أنزل الله بها من سلطان.

الصيرفة الإسلامية في خطر، أصبحت معروضة للبيع في أسواق المصارف التقليدية، وباتت الصناعة وكأن ماكينتها التشغيلية غير قادرة على مجاراة التحديات، في البدء كانت أزمة أغسطس 2008، وفي البدء كانت كارثة المشتقات، وأعاصير العقارات، وتقديرات الدفاتر الوهمية لأسعار أسهم الشركات «القيمة الدفترية»، وتقييم استثمارات على أساس توقعات السوق، ومن منطلق أن ما تملكه المصارف من رهونات عقارية لم تتغير قيمته ولو كره الرؤساء التنفيذيون.

في العدد الماضي تحدثنا عن المحنة بقلم ملؤه الإيمان بالفكرة، وعقل لم تشغله مصالح المتعاملين مع القطاع بقدر ما يؤرقه مستقبل صناعة كان يُشار إليها بالبنان.

المفعول به ظل دائمًا مفعولاً مطلقًا، أو مفعولاً لأجله في حال مصارفنا الإسلامية، شخصيات قفزت فجأة على هذا النوع من النشاط، اعتقدت أن لمح البصر سيظل لمحًا أبديًا للبصر، وأن غفلة العين سوف تبقى على حالها من دون كشف للعورات أو توضيح للخطايا أو استنباط للتأثيرات.

موجودات المصارف الإسلامية أو موازناتها العمومية تجاوزت التريليون دولار، أي أنها تمتلك ثروات طائلة ومعاملات مذهلة، ونجاحات لها تاريخ.

رغم ذلك نجدها تستنجد بمصارف أخرى، بقوى شرائية خارج «حرمانية» الشريعة، و«إقامة الحدود» عن طريق هيئات الرقابة المعتبرة.

و.. عندما استشهدت بعدنان يوسف بوصفه أحد رموز «الصمود والتصدي» لهذه الصناعة المصرفية العملاقة، لم أقصد مجاملته أو وضعه كفارس مغوار أمام عربة من دون عجلات، لم أقصد أن يكون للمحترفين المحترمين فقط حق السبق في امتلاك زمام المبادرة لـ«إنقاذ ما يمكن إنقاذه»، أو لترك الجمل بما حمل لأناس لم يمارسوا المهنة من قبل، ولم يتجرأوا على ممارستها في أزمنة خوالي أخرى.

قفز البعض من القارب السريع، فلقوا حتفهم، واستمر البعض عملاً بوصايا «نوح» داخل دائرة الخطر خوفًا من أن يدخل الماء إلى عروش المستمتعين برذاذ البحر الهائج في مختلف أوقات السنة.

نحن على أبواب نتائج الربع الثالث، وأغلب الظن، عملية «تلبيس الطواقي»، أو تأجيل المصائب، أو الرمي بغير رامٍ لموجودات كان يمكنها التعافي من فيروس التراخي اللعين، كل ذلك كان ومازال يمتلك كلمة السر بعد رحيل العمالقة تاركين «تركة» ثقيلة للكثير من «المعذبين في الأرض».

عندما استشهدت بعدنان يوسف وهذا حقي، فإنني كنت أضرب عن طريقه مثلاً يُحتذى، وقدوة يمكن الاستدلال من خلالها على الأوضاع الحقيقية للمصارف الإسلامية، بل وعن قدرتها على التعافي من جديد، أو على الأقل بشأن مصير المساهمين والمودعين وأصحاب الحسابات والاستثمارات الذين فقدوا كل ما يملكون في استثمارات فاشلة ببعض المصارف المعروضة للبيع، وفي تلك المصارف التي وضعت على سدة حكمها أناس لا يعرفون في فن إدارة الكوارث، ولا يدركون أن أدوارهم لا تتعدى مجرد التوقيع على خسارة، أو الهروب من الاعتراف بخطيئة، أو القفز من نوافذ أصبحت مفتوحة على مصراعيها لكل من تسول له نفسه الضرب تحت الحزام، والخروج من «فقاعة دوت كوم»، بفقاعة أخرى على الشاكلة نفسها ولكن بحجم أكبر وقيمة أقل ومخاطر أعلى، وكان الله في عون عدنان ومن هم في سفينته، فهم المرابطون إلى حين، والله وحده أعلم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها