النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11563 الجمعة 4 ديسمبر 2020 الموافق 19 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

المهاتما غاندي... المعلّم...والسلام

رابط مختصر
العدد 11505 الأربعاء 7 أكتوبر 2020 الموافق 20 صفر 1442

 تتزامن بعض التواريخ والمناسبات العالميّة فتبدو في الظّاهر متنافرة، ولكن بعد التّمحيص وتقليب النّظر فيها نجد بينها من الوشائج ما يقربّها إلى بعضها البعض، بشكل أو بآخر، فالثّاني من أكتوبر من كل سنة يوافق، في الأيّام الدّولية التي أقرّتها الأمم المتحدة، اليوم الدوليّ للاّعنف، احتفاءً بميلاد المهاتما غاندي صاحب فلسفة اللاّعنف، والذي ولد يوم الثاني من أكتوبر 1869. يتزامن مع هذه الذكرى العالميّة موعد الخامس من أكتوبر من كلّ عام، والذي يوافق الاحتفال السنويّ بيوم المعلّم العالميّ، وما أدراك ما المعلّم في ظلّ الظروف العالمية الرّاهنة! ولكن لا أقصد ما نمرّ به من وض وبائي خطير جراء الموجة الثانية لكورونا، وإنما أعني التحوّلات العالمية اقتصاديًا، واجتماعيًا وسياسيًّا.  

غاندي هو ذلك السياسي الهندي، «المهاتما» أو «الروح العظيمة»، وأبو الأمة أو «البابو» كما يحلو للشعب الهنديّ العظيم أن يسمّيه، نحت تاريخ ميلاده في الذاكرة الإنسانية فأصبح يوم 2 أكتوبر من كل سنة عطلةً وطنيةً يحتفل بها الهند، ويومًا دوليًا للاّعنف يحييه العالم بأسره. أسّس غاندي ما عرف في عالم السياسة بـ«المقاومة السلمية» أو «فلسفة اللاعنف» (الساتياغراها)، وهي مجموعة من المبادئ السامية تتلخّص في الشجاعة والحقيقة واللاّعنف، وهي تهدف إلى إلحاق الهزيمة بالمحتلّ البريطانيّ آنذاك عن طريق بناء حالة من الوعي الكامل والعميق بين صفوف الشعب بالخطر المحدق وتكوين قوّة قادرة على مواجهة هذا الخطر باللاّعنف. فاستحقّ غاندي بذلك لقب زعيم «المقاومة السلميّة»، وعاشق الحقيقة، وصاحب مقولة «يتجاوز حبّي للاّعنف حبّي لأيّ شيء آخر دنيوي، أو يتجاوز هذه الدنيا، لأنه يعادل حبّي للحقيقة التي هي بالنسبة إليّ رديفُ اللاّعنف الذي بوسعي عن طريقه فقط بلوغ الحقيقة».

أمّا المعلّم فمهما كتبوا فيه فلن يُوفوه حقّه، ومهما تصاغر شأنه في نظر الجاهلين ومهما وصموه بنعوت دنيئة وقلّلوا من قيمته، فلن يستطيعوا تغيير صورته في الوجدان الإنسانيّ ولا في عقول العالمين والعارفين، فله يبقى فضل إخراجنا من الظلمات إلى النور وله، له وحده، الفضل كلّ الفضل، في بناء كيان الطفل حين يشمله برعايته وعنايته قصد تعليمه وتربيته وتدريبه وتأهيله للحياة كما يجب أن يكون. فالوزارات تخطّط وترسم السياسات وتوفر الإمكانيات المادية والبشرية والوسائل التعليمية من أجل إنجاح عمل المعلّم في المدارس، وبذلك يكون المعلّم مؤتمنًا على الأجيال القادمة.

إنّ المعلّم مَثَلُه مثلُ غاندي، عاشق للحقيقة، والحقيقة هنا هي المتعلّم. نعم هي حقيقتنا المستقبليّة في هذا العالم الذي تطغى فيه اليوم لغة الدمار والعنف في المجتمع الواحد وبين بعض الدول كذلك. إنّ أمّلنا معقودٌ في طفل المستقبل أن يعشق حقيقة نادت بها الديانات السماوية وردّدها غاندي، أن يتبنّى فلسفة اللاّعنف في معالجة الأمور. وهذه الفلسفة يتربّى عليها الطفل في المدارس حيث يشتبك مع الواقع المدرسيّ في الصفّ مع المعلّم والأصدقاء وفي ساحات المدرسة، وفي طابور المقصف وفي ملعب الرياضة، وفي حنفيات مياه الشرب وفي قاعة مصادر التعلم وفي المختبرات وغيرها من الفضاءات المدرسية التي تخلق بين المتعلمين نزوعًا إلى العدوان والاستقواء على بعضهم بعضًا، فيلتجئون إلى العنف اللفظي الذي قد يتجاوز مداه فيصير عنفاً جسدياً.

نعم السلام يُبنى في المدارس وعلى أيدي المعلمين والمعلمات، والسلام والتسامح والديمقراطية والتربية على المواطنة تترسّخ في سلوك طلابنا ولا نريدها مجرّد معارف تنتهي بانتهاء الدرس والامتحان يفرغها المتعلم في ورقة الامتحان، لينصرف بعد ذلك إلى سلوك العنف وممارسات بعيدة كل البعد عن الحقيقة التي يجب أن نعشقها مع غاندي ألا وهي السلام والتعايش في هذا الإطار. قال المهاتما: «إذا أردنا أن نعلِّم السلام الحقيقي في العالم وأن نشنَّ حربًا حقيقيةً على الحرب، علينا أن نبدأ بالأطفال»، وهو ما يستدعي بالضرورة توفير تعليم شامل من أجل السلام والنمو الذاتيّ.

ويبقى غاندي وتبقى معه القيم التي حملها وتبناها: اللاعنف والتسامح والسلام والحب والحرية وقبول جميع الناس مع اختلافاتهم ودياناتهم وطوائفهم... كذلك يبقى المعلّم نبراسًا في ظلام الأمم. نعم، يبقى المعلّم عاشقًا للحقيقة يعلّم الطفل السلام والتعايش والمسامحة لأنها صفات الأقوياء، فالعالم اليوم ما عاد يتسع للكراهية والتباغض. إننا في العالم كما لو كنّا في قرية يطلّ كلّ منا على الآخر، فما بالك بأبناء الوطن الواحد: ما عادت تحتملنا الخصومات ولا عادت تتسع لنا الفتن والحروب الداخلية ولا الخارجية. نعم، نحن في حاجةٍ إلى قلب المعلّم كي يعلّمنا بصدق نبضه، الحبّ «فأينما يتواجد الحب... تتواجد الحياة» كما قال غاندي.

إنّ التعريف بتجارب إنسانية وشخصيات سعت إلى نبذ العنف والتأسيس لثقافة الحوار والمساواة من أجل بناء مجتمعات ديمقراطية وبلوغ الحقيقة، واجبٌ على المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية خصوصًا في ظلّ فورة الدمار العالمية الراهنة، وتجربة غاندي تجربة استثنائية لمناضل استثنائي على كل المدارس والمدرّسين أن يعرّفوا به وبموروثه الإنساني في إطار الانفتاح على التجارب العالميّة والاستفادة منها من أجل بناء مجتمعات ديمقراطيّة وبلوغ الحقيقة باعتبارها غاية الإنسان الأولى.

ويمكن أن يتحوّل هذا التزامن الاعتباطي بين ذكرى يوم المعلم واليوم العالمي للاّعنف إلى يوم واحد حتّى يتذكّر المعلّم أن رسالته هي بناء السّلام الداخلي والخارجي للطفل وأنه «ليس هنالك طريق للسلام، بل أنّ «السلام هو الطريق» على حدّ تعبير غاندي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها