النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

محمد بن المدني المغرب

رابط مختصر
العدد 11498 الأربعاء  30 سبتمبر 2020 الموافق 13 صفر 1442

 تحدّثنا في المقالين السابقين عن علَميْنِ من علماء المسلمين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأعني الشيخ محمود شلتوت (جامع الأزهر) والشيخ سالم بو حاجب (جامع الزيتونة) بوصفهما من المجدّدين والمصلحين في مصر وتونس. ونختم الحديث في هذه السلسلة بهذا المقال عن رائد الإصلاح والتجديد الديني في المغرب الشيخ محمد بن المدني كنون ممثّلاً لصرح علميّ تليد، جامع القرويين بفاس.

 على مَرَّ التاريخ، نبغت في المغرب شخصيات فأبدعت في مجال تخصّصها، وأسهمت في الارتقاء بالفكر العلميّ والوعي الجمعيّ حتّى تجاوزت هذه الشخصيات بأفكارها وعلمها حدود المغرب. ولعلّ الشيخ محمد بن المدني كنون، أحد أبرز هذه القامات العلمية التي انطلقت من الفضاء الديني وَسَعَت بفكر خصب نحو التجديد. 

 ولد محمد بن المدني بن علي بن عبدالله كنون بمدينة فاس سنة 1825م، وبها نشأ على حُبِّ العلم، فتعلم اللغة والفقه والأدب. ثم اتّجه نحو طلب العلم وتحصيله بشكل موسوعي ليشمل تكوينه مجمل العلوم المعروفة وقتذاك. فقد أخذ عن شيخ الجماعة محمد بن عبد الرحمن الفلالي الحجرتي، والمُحدّث الوليد بن العربي العراقي، والفقيه النحوي أحمد الـمَرْنِيسِي، والفقيه أبي بكر ابن الطيب بن كِيرَان، والقاضي المهدي بن الطالب بن سودة، وغيرهم. وأجازوه جميعهم. وقد عُرفَ محمد بن المدني طيلة مرحلة تعلّمه بنهمه الشديد في طلب العلم، وامتاز عن غيره بقوّة الذاكرة والحفظ. 

وقد بلغ الشيخ العالم محمد بن المدني كنون منزلة علميّة مرموقة، إذْ صار مُفتيا. واتفقت كتب التراجم على جلالة قدره، ومرتبته العالية في العلوم النقليّة والعقليّة حتّى لُقّبَ بـ«رأس علماء المغرب وشيخ الجماعة. وقد تقلّد خطة القضاء بمراكش عام 1274هـ بعد رفض شديد، ثم طلب الإعفاء من السلطان بعد توليته ثمانية أشهر، فرجع إلى فاس واشتغل بالتدريس.

كانت لمحمد بن المدني كنون مجالس بجامع القرويين، يقرأ فيها الحديث والفقه، وأصول الدين والنحو. وانتفع من ذلك خلق كثير، وأخذ الناس عنه طبقة بعد طبقة. ومن بين تلاميذه محمد بن محمد بن مصطفى المشرفي، والعلامة محمد بن قاسم القادري الحسني.

وقد كانت لمحمد بن المدني كنون وقفات وصولات في الإصلاح الاجتماعي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أجل ذلك وحبس، فثار الشعب يطالب بإطلاق سراحه، فقد كان «نزيها، قوّالاً للحق، مطبوعًا على ذلك، غير هيّاب، نزيهًا مقدامًا مهيبًا، عالي الهمة، دؤوبًا على نشر العلم والإرشاد، والنهي عن المنكر والبدع التي تكاثرت في أيامه لا يخشى في الحق لومة لائم يحضر مجلسه الولاة والأمراء أبناء الملوك وغيرهم، وهو يصرح بإنكار أحوالهم وما هم عليه». 

ومن مواقفه المأثورة وقوفه بشدّة ضدّ الأفكار الساذجة لبعض الطرق الصوفيّة التي شوّهت جوهر الدين الإسلامي فقد «كان شديدًا على أهل الطرق وما لهم من البدع التي شوّهت جمال الدين...».

وتتّفق الشهادات التي رويت عن تلاميذ محمد بن المدني كنون ومعاصريه بشأن المكانة العلمية والعملية التي تبوأها، نظرًا لدوره العلمي والإصلاحي، حتّى وصفوه بمجدّد القرن الثالث عشر لما تركه من آثار علمية في مختلف المواضيع والاهتمامات التي كانت تشغل الناس آنذاك، والتي تدل على باعه الطويل في العلوم، وعلى أنه كان ابن وقته وعالم زمانه علمًا وعملاً. 

وقد بلغت الكتب المطبوعة له ثلاثة عشر مطبوعًا، تميّز معظمها بطابعها الإصلاحي وخروجه عن التقوقع إلى التأليف في عدة مواضيع تبرز مواقفه من مستجدات عصره… «وكان في كتبه يسلك منهج الكتابة العلمية المحترفة في مجال الفقه والتفسير والسيرة تقريبًا للأفهام، ونشرا للثقافة الهادفة، وتعميما لأنوار الفكر الإسلامي، يقوده في ذلك نفس إصلاحي ذو أبعاد اجتماعية وسياسية وثقافية».

واشتهر محمد بن المدني كنون بدروس الصباح برحاب جامع القرويين المبارك وبطريقته المميزة في التعليم، حيث كان عالمنا يسلك طريقة المقارنة بين الأقوال والترجيح والاستشهاد بالكتاب والسنة ويستخدم منهج التوضيح والتبسيط في المسائل الفقهية، فكان متميّزًا عن غيره في مجال التعليم.

 إنّ محمد بن المدني كنون من أعلام الفكر الإصلاحي المغربي خلال القرن 19م، وأسهم بحظ وافر في ربط العلم بالعمل، وفي تحفيـز الهمم نحو النهوض، ونبذ التخلّف، وظلّ على ذلك حتّى تـوفي سنة (1302هـ/‏1885م)

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها