النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11558 الأحد 29 نوفمبر 2020 الموافق 14 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

جاسم بن فرج .. صانع الفرح في الرفاع

رابط مختصر
العدد 11497 الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 الموافق 12 صفر 1442

  • أنهم شخصيات مسرحه، مسرح الفرح والإيقاع والحياة، وقد استوقفتني فعلا هذه اللحظات

 

 عندما كنت صغيرًا فوق (السجم) وسمعت أول دقة طبل فجرًا وفزعت في إحدى ليالي الصيف البنفسجية الرطبة وأنا منحشر بكلية أغصاني الطرية التي لم يتجاوز عمرها الخامسة بعد، منحشر في دفء حنايا والدتي شيخة بنت علي بنت راشد الحمدان رحمة الله عليها على فراشها الذي يعترش كبقية فِراش الأسرة (السجم)، ذلك السرير الخشبي الجماعي الذي يقرّب النجوم والأقمار من عيوننا نظرًا لارتفاع قوائمه المتعددة عن الأرض بدرجة تسمح لأن يكون نزلاً أرضيًا آخر للدواجن والبهائم والقطط وديك الرومي المزعج الذي يسبق صياحه نباح كلبتنا الريشية البيضاء الأليفة الوادعة لحظة استشعاره لأي صوت عابر خارج البيت، في هذه الليلة الفجرية استيقظت مفزوعًا هلعًا انكمشت بسببه أغصاني الطرية أكثر في حنايا والدتي طلبا للنجاة، عندما سمعت صوت طبل رخيم قوي مباغت ترددت أصداؤه بشكل مخيف في روحي المنغمرة بهمس حنايا والدتي التي يبدو أن هذا الصوت أصبح بالنسبة لها يشبه في عاديته صرير جنادب الليل و(نحنحة) المارة العابرون باتجاه جامع الرفاع المجاور لمنزلنا لأداء فريضة الفجر، ولكن الهلع لم يترك لي مجالاً غير أن أوقظ والدتي بيدي الغضتين المرتجفتين، فالشبح يوشك أن يستولي على روحي ووالدتي في غفلة مما قد يحدث لي.

عندما استشعرت والدتي توسلات يدي وروحي، التفتت نحوي هلعة، وضمتني بين حناياها، ثم تناولت (البالدي) وهو كوب معدني مملوء بالماء وناولتني إياه وهي تبسمل، ثم سألتني: ما بك؟ ما الذي أيقظك؟ أجبتها والرجفة تلعثم صوتي: ألم تسمعي هذا الصوت؟ 

 الوالدة: أي صوت؟ 

 أنا: صوت كبير قوي 

 وحتى أقنعها بدأت في تقليد الصوت: بوم بووووووم بوم..

تضحك الوالدة وتضمني لتطمئنني بقولها: إنه صوت الفرح.. صوت طبول جاسم بن فرج..

سألتها: أين جاسم؟ 

 أجابتني: ليس بعيدًا.. إنه يبعد عن بيتنا بخمسة بيوت.. 

نم الآن وغدًا سأخذك إلى بيته وسترى الطبول والدفوف بنفسك، وستسمعه يقرع الطبل بنفسه..

هلعي تبدد تقريبًا، ولكن عيناي كانتا بانتظار سطوع الشمس، بانتظار صباح الطبل والفرح..

وما إن أشرقت الشمس وتناولت أنا ووالدتي الإفطار، وجدت نفسي في بيت جاسم بن فرج الطيني البناء ، وكانت زوجته الجارة العزيزة أم فرج (مريم بنت جاسم) في استقبالنا.

في هذا البيت رأيت جاسم بن فرج، ذو القامة الأفريقية الفارعة، وذو الوجه الذي يكسوه بعض زغب الشيب المتناثر بلا اتساق على زوايا منه، وهو منهمك مع طبوله ودفوفه والجلود البقرية والعنزية وأمعائها المنتشرة في أرجاء حوش البيت، مصحوبة برائحة نتنة تزكم الأنوف، رأيته وهو ينقل بعض الجلود من مواقع الظل إلى الشمس، ورأيته وهو يحمل بعض الطبول والدفوف الجاهزة ويضعها في موقع الظل بعد أن يجربها بمداعبة أنامله تارة وبقرعها بشكل تدريجي كي يختبر مساحتها الصوتية، ورأيته وهو يتناول بعض الأمعاء الغليظة الدقيقة ويعلقها على بعض المسامير المثبتة في جدران الحوش.

لم أأبه حينها بمثل هذه الرائحة النتنة، ولم أأبه بالحلويات الشعبية البسيطة التي تتناولها والدتي مع زوجة جاسم بن فرج، كان كل ما يشغلني حينها هو هذا الصوت الذي أسمعه لأول مرة في حياتي، وهذا المصنع، مصنع الفرح الذي أرى كل شخصياته، ذكورها وإناثها وأطفالها تتشكل وتحيا أمام مرأى من عيني، ولم أتخيل لحظتها بأن صاحب هذا المصنع الذي تبدو الغلظة على وجهه بنقيض ما يصنع ويمارس، أن يدعوني لقرع أحد الطبول.

جربت القرع، مرة ومرتان حتى ألفت نفسي صوته، ثم عرّفني وهو يبتسم ابتسامة يبدو الجفاف يوشك أن يمزق بسببها شفتيه، عرّفني بالعائلة، الطبل والطار والمرواس، وعرفني بأحجامهم وأنواعهم وأي الطبول والدفوف أعدت لمناسبات الزواج والعرضة والزار، وأيهم أعد للأطفال أيضًا. 

ثم انصرف عني وبدأ في محاورة الطبول والدفوف والمراويس والجلود والأمعاء وكما لو أنهم شخصيات مسرحه، مسرح الفرح والإيقاع والحياة، وقد استوقفتني فعلاً هذه اللحظات وهو يحاور هذه الشخصيات ويتنقل بينهم وهو يقرع هذا الطبل بقوة وآخر بدفء، ثم يقرع الطار بيد والطبل بيد وكما لو أنه يجري حوارًا حيًا بينهما والابتسامة لا تغادر وجهه، مثلما الصرامة أيضًا تكسو وجهه أيضا حين يسترسل في قرع أحد الطبول وكما لو أنه يحسم بطريقته هذه معزة ومحبة هذا الطبل عن ذاك. 

لأول مرة أرى في حياتي سيمفونية كل شخصياتها يقودها مايسترو واحد وحيد وهو صانع الفرح في الرفاع الشرقي الأول جاسم بن فرج، ولقد زاد إعجابي بهذا الرجل الفنان الشعبي الأصيل، عندما صحبني معه أثناء يوم جمعة في جولة بالحي خصصه للعزف على آلة الطنبورة، وهي آلة شعبية شبيهة بالهارب تقريبًا، أوتارها من أمعاء البقر أو الخراف، وكم ازدادت سعادتي عندما رأيت أطفال الحي يتبعونه في جولته. 

كان صانعًا ماهرًا وعازفًا استثنائيًا، وهي المرة الأولى التي أرى فيها هذه الآلة، الطنبورة، كانت أوتار الطنبورة هي اللغة التي يتحاور فيها جاسم بن فرج مع الناس ومع ذاته، فهو قليل الكلام، كثير العمل ودقيقه، ولم أرَه حتى لحظة وفاته -رحمه الله- وأنا حينها أصبحت ابن التاسعة، قد غادر مجلسه المحاط بالطبول والدفوف والمراويس المعد بعضها للبيع، إلا لتلبية واجب العزف بطنبورته لأهالي الحي في أيام الجمع ومناسبات الأعياد.

هذا المجلس الذي احتضن الفرح، استيقظنا عليه ذات صباح بحزن قاسٍ، حيث تجمع الناس كلهم ليروا فيه مشهد انتحار ابنه الكبير فرج عبر تعليق عنقه في مروحة المجلس، وليروا والدته وهي تضرب يدها بحسرة على الأرض مولولة تندب حظها بفراق ابنها الأكبر الذي لم يتوقع أحد يومًا بأنه سينتحر ويغادر هذه الحياة المغمورة بالفرح. 

وتمر السنوات بحلوها ومرها لأكتشف أن المسرح إيقاع، درجات صوتية وحركية، تناغم وتنافر وانسجام وتعدد، ارتفاع وهبوط، كلام وصمت، وإذا كان هناك من فضل في معرفتي بعد فترة من العمر، وبعد انخراطي أكثر في العمل في الحياة المسرحية، بأن المسرح ركيزته الأولى إيقاع زمن وفن، فهو يعود إلى صاحب الفضل الأول علي في معرفته، وهو صانع الفرح جاسم بن فرج الذي منح الميت والساكن والصلب والخشن من الجلود روحًا حية دعتها تعيش وتتحرك وتتحاور مع الكائنات التي تستخدمها أو توظفها في عروضها المسرحية والاستعراضية والكرنفالية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها