النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11560 الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

قطر.. من جديد (1)

رابط مختصر
العدد 11497 الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 الموافق 12 صفر 1442

  • إن الفشل كان مصير تلك الخطة، رغم كل الضغوط الدبلوماسية والسياسية والحملات الإعلامية

 

تسبَّبت دولة قطر في تهديد وجود مجلس التعاون كمنظومة لها ثقلها الإقليمي والدولي، لدورها الرئيس في إشعال الفوضى في المنطقة لتغيير الأنظمة العربية والخليجية تدريجيًا ومحاولات نشر (النموذج التركي) واعتباره النظام الديمقراطي الإسلامي الأمثل الذي يجب أن تكون عليه الأنظمة الحاكمة، وتنسيقها وتعاونها مع الإدارة الأمريكية السابقة لتنفيذ خطة (الفوضى الخلاقة) لتشكيل (الشرق الأوسط الجديد) باستغلال شعارات حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير لتأجيج الشباب العربي الذي تمّ إعداده للثورة على أنظمته القائمة عن طريق فوضى التحرّك في الشوارع وتقديم الدعم اللوجستي والمالي والتدريبي، وتخصيص مساحات إعلامية واسعة على قناة الجزيرة لبثّ البرامج الحوارية والإخبارية الملفقة والأفلام المحرّضة على الفتنة والانشقاق في المجتمع العربي والخليجي على وجه الخصوص. 

وقد تحالفت دولة قطر في ذلك مع (تركيا) التي تحاول استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية عبر نشر الإسلام السياسي، فسعت قطر بكل قوة واستماتة لتمهيد الطريق إلى صعود تيار جماعة الإخوان المسلمين، رغم يقينها أن النهج الإخواني الذي يقوده أردوغان يتعارض تمامًا مع سياسة دول مجلس التعاون وهو قريب فكرًا ورؤيةً من نظام ولاية الفقيه الإيراني، إلا أن سيطرة تنظيم الإخوان المسلمين على فكر أركان الحكم القطري صوَّرت لهم بأنه من السهل على قطر أن تكون مركز القرار العربي وتحكمه ماليًا بملياراتها، وسياسيًا بنشر النهج الإخواني في كل الدول العربية. 

وتأرجحت تلك الخطة بين النجاح والفشل، حيث نجحت في إشعال الفوضى الأمنية والسياسية بإسقاط الأنظمة القائمة في مصر وليبيا وتونس، وفشلت في تحقيق هدفها في إسقاط أنظمة الحكم في المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، بعد انكشاف مؤامرة بيت الحكم القطري على أنظمة الحكم في دول مجلس التعاون في عمل تآمري غير مسبوق في تاريخ العلاقات الأخوية التي تجمع الأسر المالكة في منطقة الخليج العربي، لتكون تلك (المؤامرة) هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير، واستطاعت أن (تقصم) أُسس وتقاليد العلاقات الخليجية المستقرّة منذ مئات السنين، لتسير في نفق مظلم ليست معلومًا نهايته. 

ولقد كان لدولة قطر دور مركزي في أعمال التخريب والاضطرابات التي تعرَّضت إليها البحرين في (فبراير 2011م)، وكان لقياداتها تواصل مباشر مع الجمعيات السياسية المعارضة، إلا أن الفشل كان مصير تلك الخطة، رغم كلّ الضغوط الدبلوماسية والسياسية والحملات الإعلامية الشديدة التي واجهتها البحرين، بسبب ما قامت به من تحركات استراتيجية مهمة لصد الهجمة الشرسة التي تعرَّضت لها، وتعاملت القيادة الرشيدة بقيادة جلالة الملك المفدَّى ووليّ عهده الأمين مع الوضع الشائك بحكمة وحنكة، واتخذت خطوات حضارية وسياسية ودبلوماسية باهرة لإفشال كل التحرّكات الهادفة لتفكيك المجتمع البحريني. 

فقد قام جلالة الملك المفدى في (18 فبراير 2011م) بتكليف صاحب السمو الملكي وليّ العهد بإجراء حوار مع جميع الأطراف السياسية التي اتخذت من شعارات حماية حقوق الإنسان عناوين مضللة لمطالبها، إلا أن (المعارضة) اتجهت لتعقيد الوضع المتأزم ورفضت قبول (مبادرة النقاط السبع للحوار) التي طرحها سمو وليّ العهد واستندت في واقع الأمر على المناقشات التي جرت بين سموه وقيادات المعارضة خلال الفترة بين (16 فبراير - 12 مارس) وتضمَّنت المطالب كافة التي تنادي بها المعارضة في كل موقع، كما رفضت وساطة صاحب السمو أمير دولة الكويت في مقرها بمنطقة عذاري باعتبار أنها ليست بحاجة إلى هذه الوساطة واعتبرت أن الحل السياسي هو الذي قدَّمته للحكم. 

وهنا يذكر التاريخ حنكة القيادة السياسية في البحرين في إدارة تلك الأزمة الخطيرة، وخطواتها الاستراتيجية التي عبرت بالبحرين إلى برّ الأمان، ومواجهة ضغوطات الولايات المتحدة الأمريكية وأهدافها للتغيير السريع، فأما الرضوخ للأمر الواقع وتسليم البلاد لفوضى الشارع كما حدث في تونس ومصر، وأما اتّباع (المهادنة السياسية المؤقتة) وإعادة الحسابات من جديد وقراءة مجريات الأحداث المتسارعة في المنطقة بعمق لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح لاحقًا. 

وقد حقَّقت تلك الاستراتيجية أهدافها، وهدمت أسس المؤامرة الكبرى التي كانت تتطلَّع إلى أن تكون البحرين جسرًا لتحقيق المخططات الأمريكية والإخوانية التركية لإنهاء الحكم في المملكة العربية السعودية الذي سيتبعه -لا محالة- تساقط بقية أنظمة الحكم في الخليج العربي عدا حكم دولة قطر التي كانت شريكًا استراتيجيًا وداعمًا ماديًا لتنفيذ تلك الخطط لإحداث التغيير المطلوب في المنطقة العربية ككل. 

وتمثَّلت أهم نقاط المهادنة السياسية في:

1. (مبادرة النقاط السبع للحوار) التي طرحها سمو وليّ العهد في (12 مارس 2011م) لتكون خارطة طريق لحل الأزمة وتهدئة الأوضاع، والتي لم تخرج عن إطار مطالبات المعارضة التي تدّعيها، إلا أن المعارضة وحلفاءها في الإقليم والدول الداعمة لها لم تستوعبها وتعمّدت المماطلة، فانكشف خداع تلك الجمعيات، ورفض المجتمع البحريني بطوائفه وتوجهاته كافة ما يجري حوله من تطورات تمسّ كيانه وتهدد أمنه واستقراره ومستقبل الأجيال القادمة في ضوء الأوضاع الخطيرة التي انتهت إليها سوريا وليبيا ولبنان 

2. إنشاء (اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق) برئاسة البروفيسور محمود شريف بسيوني وعضوية أشهر وأهم القانونيين في العالم للتحقيق في مجريات أحداث (فبراير 2011م) بأمر ملكي سامٍ صدر في (يونيو 2011م)، حيث قدَّمت اللجنة تقريرها الذي تضمَّن عددًا كبيرًا من التوصيات إلى جلالة الملك في (23 نوفمبر 2011م)، وتبع ذلك مباشرةً تشكيل لجنة وطنية لتنفيذها ثم تشكيل جهاز متخصص لمتابعة التنفيذ. 

3. نشاط الدبلوماسية البحرينية، بتوجيهات معالي الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير الخارجية السابق بتحريك الدبلوماسية البحرينية لتقديم الصورة الحقيقية للأحداث واستصدار البيانات الصحفية والقرارات التي تدعم نظام الحكم في البحرين، وتدحض كل الادعاءات والأكاذيب المسيئة للبحرين وقيادتها وذلك في جامعة الدول العربية ومؤتمر منظمة التعاون الإسلامي ومؤتمر عدم الانحياز والأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان.

4. تكليف نشطاء المجتمع المدني بزيارة العديد من العواصم العربية والأجنبية لتقديم الصورة الحقيقية لما يجري في البحرين، والتصدي لوفود الجمعيات السياسية المعارضة، حيث قمتُ ومن فرع وزارة الخارجية في مدينة العوالي ومع عدد من موظفي الوزارة بإدارة هذا التحرّك الدبلوماسي وتوجيه نشطاء المجتمع المدني للتصدي للمؤامرة الخطيرة التي تواجهها البحرين. 

كما كان لشعب البحرين دور كبير جدًا في ذلك، فإرادته التي عَبَّر عنها بعفوية في تجمع الفاتح بتاريخ (21 فبراير 2011م)، والتفافه حول قيادته الوطنية الشرعية، وتأكيده للعالم أن (المعارضة الطائفية) لا يمكن أن تحقّق أهدافها في ظل وجود (معارضة وطنية) وقفت مع التغيير والإصلاح في إطار المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المفدى، فأثبت ذلك التجمع أصالة الشعب البحريني الأصيل المدافع عن سيادة البحرين رغم الضغوط الهائلة التي تعرَّضت لها وتدخلات دولة قطر وإيران اللتين قامتا بدعم الإرهابيين بالمال السياسي والتدريب وتأجيج العنف الطائفي، ما شجَّع المعارضة على الإعلان الصريح عن تأسيس (التحالف من أجل الجمهورية) بهدف إسقاط النظام الملكي الدستوري البحريني وتأسيس (الجمهورية) كنسخة طبق الأصل من نظام ولاية الفقيه الإيراني، وذلك بهدف الانقلاب على كل المنجزات التي تحقَّقت في ظل المسيرة المباركة لصاحب الجلالة الملك المفدى. 

ولاستكمال الصورة، تبقى هناك ضرورة للإجابة عن التساؤل الآتي: لماذا تحالفت دولة قطر مع الشيطان وشاركت في تنفيذ مؤامرة إسقاط الأنظمة الخليجية في الكويت والبحرين والسعودية؟ 

بتحليل الأحداث وتطوراتها وقراءة التاريخ، يمكن تلخيص الأسباب في الآتي: 

1. الحساسية القبليّة المفرطة لدى حكّام دولة قطر منذ كان آل خليفة حكّامًا للزبارة، والنزاع بين البلدين بسبب (جزر حوار) الذي انتهى بصدور حكم محكمة العدل الدولية في (مارس 2001م) لصالح البحرين وقضى بأن جزر حوار وقطعة جرادة جزء لا يتجزأ منها. 

2. طموحات القيادة القطرية بأن تكون دولة قطر هي مركز القرار العربي وهي قائد الشرق الأوسط وهي من يمتلك قراره السياسي بما تملكه أموال وثروات طائلة، وذلك بعد انقلاب (الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني) في (27 يونيو 1995م) على والده (الأمير خليفة بن حمد)، ومساندة الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية السابق، ودوره المحوري في تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة خاصة ما يتعلَّق منها بتنفيذ خطة (الفوضى الخلاَّقة) التي هي خطة التغيير الشامل للأنظمة العربية والخليجية الحاكمة خاصة في السعودية ومصر، وإقامة علاقات مع إسرائيل، وتأسيس قناة الجزيرة وجعلها أداة أساسية لإدارة معركة التغيير والترويج لسياسة قطر الدولية والإقليمية كدولة تحمي مبادئ حقوق الإنسان وتغطية الأخبار والأحداث بالأسلوب الذي يحقّق أهدافها ومصالحها.

3. بناء علاقات أكثر قربًا ومتانةً مع إيران؛ لموقعها الاستراتيجي وتداخل مياهها الإقليمية مع المياه القطرية. 

وفي هذه النقطة تفاصيل أخرى ستكون محور مقال الأسبوع القادم بإذن الله. 

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها