النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

آراء ابن رشد في السياسة (2)

رابط مختصر
العدد 11494 السبت 26 سبتمبر 2020 الموافق 9 صفر 1442

في الوقت الذي أهمل فيه العرب آراء ابن رشد المتقدمة في القرن الثاني عشر للميلاد، اهتم الأوروبيون بهذه الآراء بشكل كبير، وصادف ذلك في الفترة التي كانت تظهرفي أوروبا بوادر نهضة للتحرر من هيمنة اللاهوت المسيحي المتشدد، فوجدوا ضالتهم في مؤلفات ابن رشد. ونستطيع أن نقول إن إهمال وتجاهل وطمس هذه الآراء المتحررة المحدّثة التي اقترحها ابن رشد لبلاد العرب والمسلمين، قد دفعنا له ثمنًا فادحًا، هو انتشار الجهل الذي استمر أكثرمن ثمانية قرون من بعده.

وجاءت هذه الآراء لابن رشد في عرضه لكتاب أفلاطون في السياسة، وتعرضت هذه الآراء لنمط الحكم، والعلاقة بين رجال الدين والسياسة ودور المرأة الاجتماعي. ويرى بعض المؤرخين أن النكبة التي أصابت ابن رشد في آخر حياته، عندما هيّج الفقهاء العامة عليه، فأحرقت كتبه وتم نفيه إلى مراكش، بعيدًا عن قرطبة مسقط رأسه، كانت بسبب آرائه السياسية المتحررة التي ترفض الحكم المطلق. وقد أصدر الحاكم بعد ذلك قراره إرضاءً للفقهاء والعامة بمنع التعاطي بالفلسفة أو قراءتها.

ولقد اهتم ابن رشد في الكتاب المعني بأهمية الترابط بين النظرية والتطبيق، بين الفلسفة كاستقصاء نظري فكري، والفلسفة كمادة قابلة للتحقق على أرض الواقع، وبناءً عليه انتهى ابن رشد إلى أن المدينة الفاضلة التي يحكمها حاكمٌ فاضلٌ هي ممكنة التحقيق في الأندلس. كما وضع ابن رشد شروطًا لقيام المدينة الفاضلة منها أن تتطابق أقوال النظام السياسي مع أفعاله، فالأنظمة قد تقول شيئًا وتفعل شيئًا آخر، فيكون كلامها ليس سوى تضليل وترويج للنظام. 

وعندما ينتقل ابن رشد إلى دور المرأة في المجتمع يأخذ برأي أفلاطون ويؤكد اقتناعه بما ذهب إليه أفلاطون، متجاوزًا رأي أرسطو في المرأة، رغم اهتمامه فلسفيًا بتمثل آراء أرسطو، فقد عُرف ابن رشد في الشرق والغرب كشارح لفلسفة أرسطو، لكن أرسطو اتخذ موقفًا سلبيًا من المرأة، فهمّشها متأثرًا بالثقافة السائدة في مجتمعه في ذلك الوقت، فيما سبقه أفلاطون في إنصاف المرأة. إن انحياز أبوالوليد ابن رشد المطلق للمرأة، في ذلك الوقت المبكر (القرن الثاني عشر للميلاد) الذي كانت تسود فيه في الأندلس والبلاد العربية والإسلامية مرتكزات نظرية تحقّر المرأة، كان ذلك الانحياز يوضح رجاحة عقل ابن رشد ونباهته، ففي حين كان أرسطو يرى أن المرأة لا تتساوى بالرجل، ولا تملك الكفاءة الموجودة عند الرجل لاختلاف في الجنس، كان أفلاطون على النقيض يرى أن المرأة والرجل متساويان تمامًا في النوع، فكلاهما (المرأة والرجل) يملكان عقلاً واحدًا متساويًا، وتستطيع المرأة لهذا السبب القيام بالمهام التي يقوم بها الرجل، وقد يكون هناك اختلاف بينهما لكن في الكم لا في النوع، مثل كون الرجل يملك قدرات أفضل من المرأة في القوة العضلية، وبالتالي فباستطاعة المرأة أن تقوم بالعمل الذي يقوم به الرجل، وهي تستطيع أن تأخذ مهمّات الرجل في الرئاسة وفي الثقافة، وفي الجندية أيضًا، وبناءً على هذا الرأي يوضح ابن رشد في كتابه أن عدم إعداد المرأة كما يُعد الرجل هو الذي أدى إلى تخلفها عنه، وهذا ما يعيق تطور المجتمع الذي تتعطل نصف طاقاته الإنتاجية الفاعلة. 

وقد تكون هذه الأفكار عادية في عصرنا الحديث، لكن في القرن الثاني عشر الميلادي، حين كانت المرأة معزولة ومهمّشة وأسيرة في المنزل في ظل ثقافة لا تعترف بإمكاناتها، كان هذا الرأي سابقًا لعصره. وكلا الفيلسوفين أفلاطون وابن رشد تحدثا عن ضرورة إعداد المرأة أولاً كما يعَد الرجل. ويقول أفلاطون إن عدم إشراك المرأة في الحياة الاجتماعية هو أمرٌ شبيهٌ بالإنسان الذي يستخدم يده اليمنى فقط، ويعطل اليد اليسرى. 

وسؤال أخير: لماذا يحضر ابن رشد الآن فيما يختفي بقية الفلاسفة العرب القدماء؟ والإجابة هي أن ابن رشد قدم أفكارًا رائدة، من الممكن أن تسهم في تطوير المجتمع وإنصاف المرأة، حتى في الوقت الحاضر، فأفكار مثل رفض الحكم الفردي المطلق، ورفض تدخل رجال الدين في السياسة، وإشراك المرأة في المجتمع بشكل واسع، كلها أمور نحن في أمسّ الحاجة إليها في البلاد العربية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها