النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

قصة الإنسان مع الطاقة

رابط مختصر
العدد 11491 الأربعاء 23 سبتمبر 2020 الموافق 6 صفر 1442

الحياة طاقة، والحيوية من نشاط الطاقة، والطاقة أشكال وقدرات، وللطاقة تاريخ بموازات الطبيعة ومع رحلة الانسان في الطبيعة. الطبيعة وفرَّت الغذاء والهواء لتجدد الطاقة عند الانسان والحيوان، وجهد الانسان طاقة لتامين استمرار الحياة. هذه هي نعمة الطاقة بمصادرها وأدواتها الطبيعية، وعندما حول الانسان بذكائه، موارد الطبيعة إلى أشكال مبتكرة للطاقة ارتدت الطاقة المبتكرة عليه، وخاصة الطاقة النووية، فالطاقة تحمل في ذاتها النقيضين بين الخير والشر.

رغم ان الانسان يمتلك طاقته الذاتية إلا أن تعدد جوانب الحاجة لديه تضطره دومًا للبحث عن موارد للطاقة خارج ذاته، وتلك الطاقة التي تتناسب مع قدراته وحاجياته، وليس له من مورد سوى أم الحياة وهي الطبيعة. مادة الحطب من الأشجار كانت البداية في استخلاص الطاقة من الطبيعة، وقد استمر الانسان مع هذه المادة من الطاقة ألوف السنين، يلبي بها حاجياته البسيطة والبدائية، إلى أن ساقته تراكمات الحاجة وما تولد منها من حاجيات جديدة إلى البحث عن مادة أكثر فاعلية من الحطب، فكان الفحم المدفون في أعماق الارض مصدر الطاقة التي فتحت أبوابًا جديدة أمام الانسان، فكان الانتقال إلى عصر المحركات الآلية وانتاج الكهرباء وتحريك السفن والقطارات وتشغيل المصانع. مع الحطب والفحم كانت الطبيعة بخير والبيئة تتنفس، ونتاج حرق الحطب والفحم لم يتعدَ حدود السخم على جدران المنازل وأماكن حرقهما، ودخانًا أسود يتصاعد في أجواء السماء ومن ثم يتلاشى الدخان، وحتى كمية ثاني أكسيد الكربون الناتج لم تكن بالقدر الذي يزعج الطبيعة أو يزكم أنف البيئة. وإذا أردنا أن نسمي العصور المتعاقبة بنوع الطاقة السائدة، فيمكننا القول بالعصر الحطبي والعصر الفحمي، خاصة وإننا نعيش اليوم في زمان يعرف بالعصر النووي، وما أدراك ما النووي وما ألعنه من نووي. مع نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر حدث التحول النوعي الكبير باكتشاف النفط والغاز، ودخول هاتين المادتين في مملكة الطاقة، وهي طاقة تفوق الحطب والفحم بما يتخطى حدود القياس. فكان فجرًا جديدًا ساهم في تطور صناعي كبير، وبفضل هذه الطاقة العملاقة تطورت اختراعات كثيرة وأولها المحركات ذات الاحتراق الداخلي ومنها السيارات والسفن والطائرات، وطبعًا جميع أنواع الاسلحة الفتاكة. عاش الانسان ألوف السنين مع الحطب وبضع مئات من السنين مع الفحم، وكان الانسان بعيش في أمن وسلام مع هذين النوعين من الطاقة.

واليوم يستمتع الانسان بالطاقة النفطية، وهي طاقة سحرية تحرك دفة الحضارة المعاصرة، وبسببها تتفجر الحروب يُهَجَّرُ الانسان ويعاني من صنوف القتل إلى مستويات الإبادة وتدمر المدن وتحرق الحقول بأشجارها وثمارها. دول عظمى وكبرى تتسابق في حلبات الحروب من أجل وضع اليد على مصادر هذه الطاقة التي سحرت الكبار وأسموها «الذهب الأسود»، بينما أمبراطوريات العصر الحطبي والفحمي كانت تتحارب من أجل «الذهب الأصفر». ومع الذهب الأسود! ظهرت أمراض سوداء جديدة لم تكن معروفة في عالم الطب، وأخذت الطبيعة تتململ وتنزعج من كثر الحفريات العميقة في باطن الارض وإفراغها من محتواها السائلي والغازي اللذين كانا يحافظان على التوازن في جوف الأرض، وأصبحت البيئة تتنفس بصعوبة، والبحار صارت مزبلة لكل النفايات وفي مقدمتها الفضلات البشرية عبر شبكة المجاري وفضلات البواخر العملاقة، والانهار أضحت مكبات للصناعات الكيميائية. مع الذهب الاسود يتوهم الانسان أنه يعيش في أعلى مراحل الحضارة، بينما الطبيعة تتوجع من الجروح والامراض، لا تتوهم ولا تخدع نفسها. لسان حال الطبيعة أن هذه الحضارة، التي يتبجح بها الانسان، تسير على منحدر الأفول، وهي مثل البيت الآيل إلى السقوط. إذا كانت الطاقة النفطية قد تحولت في مسارها الزمني من منحى الخير إلى منحى الشر، فماذا يمكننا أن نتصور مع الطاقة النووية التي أضحت اليوم هي الطاقة الفتانة المغرية، خاصة وأن لهذه الطاقة ميزات كمية ونوعية تفوق كثيرًا سابقاتها من صنوف الطاقة. هذه الطاقة في استخدامها السلمي شر أشر مكنون، ومحطة شيرنوبل السوفييتية مثال على هذا الشر الذي مازالت آثاره باقية وستبقى إلى مئات السنين، أما الاستخدام العسكري فغني عن التعريف، فهيروشيما وناجازاكي ماثلتان أمام أعين الحضارة التي لن تجف دموعها إلى أن يبزغ على الانسان فجر ذاك اليوم الذي تتطهر فيها الأرض من الطاقة النووية، وتصبح هذه الطاقة من الماضي الماساوي للبشرية، والذكاء البشري أمام تحدٍ علمي كبير وامتحان أخلاقي عظيم لتطهير الكرة الارضية من شرور الطاقة القاتلة والخروج بطاقة بديلة، كالشمس والرياح، حتى ينعم الانسان بالأمن الصحي وتعود الطبيعة إلى جمالها ورونقها. لا شك أن الطاقة النووية تتضمن فوائد عظيمة، قياسًا بجميع أنواع الطاقة الأخرى، إلا أن سيد هذه الطاقة وهو العالم الشهير آينشتاين الذي استخلص معادلة الطاقة النووية، حذر البشرية، بعد أن أصبحت القنبلة النووية واقعًا، بقوله:

«ستستخدم الحجارة في الحرب العالمية الرابعة، لأن الحرب العالمية الثالثة ستعيد البشرية آلاف السنين إلى الوراء»... هذه هي قصة الانسان (الذكي جدًا !!!) مع الطاقة...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها