النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11851 السبت 18 سبتمبر 2021 الموافق 11 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

هل يمكن الاستغناء عن الدولة؟

رابط مختصر
العدد 11484 الأربعاء 16 سبتمبر 2020 الموافق 28 محرم 1442

  • أعتقد أن المجتمع المثالي سيكون ذلك المجتمع الذي لا نحتاج فيه إلى وجود دولة يمثل حلمًا ورديًا جميلا

 

هل تخيّل أحدنا مجتمعًا يعيش بلا دولة، بلا أجهزة أمن تتولى مهمة توفير الأمن لحياة البشر وأملاكهم وأعراضهم؟ يمكننا أن نتخيل مجموعة من البشر يعيشون في مكان ما بلا أجهزة تزودهم بالكهرباء والماء وشبكات الصرف الصحي، وحتى بلا مؤسسات توفر لهم خدمات شق الطرق وبناء السدود والجسور والأنفاق وعلاج المرضى والمصابين وغيرها من الخدمات التي توفرها اليوم الدولة أو القطاع الخاص في مختلف بلدان العالم. يمكن لهذه المجموعة أن تبقى على قيد الحياة بمشقة بالغة تذكّر بماضي المجموعات البشرية القديمة التي وجدت قبل الدولة والتي ندرّسها لطلابنا في علم الأنثروبولوجيا، إلا أنه سيكون من الصعب تخيّل إمكانية بقاء هذه المجموعة بلا جهاز أو أجهزة او حتى أعراف وتقاليد مرعية وظيفتها توفير الأمن للبشر وأملاكهم، والفصل بينهم في المنازعات والخلافات والخصومات.

يحكي فيلم أمريكي بعنوان «التطهير» The Purge بأجزائه الثلاثة حتى الآن (2013 و2014 و2016) - وهو فيلم إثارة ورعب من تأليف وإخراج جيمس ديموناكو - عن مجموعة سياسية أمريكية تعتبر نفسها وريثة «الآباء المؤسسين» تصوّت بالموافقة على تقليد سنوي يسمى «التطهير»، وهو تقليد يستمر لمدة 12 ساعة من السابعة مساء من يوم 21 مارس حتى السابعة صباحًا من يوم 22 مارس. وخلال هذه الساعات تختفي الدولة كليًا بكل أجهزتها الأمنية والصحية والقضائية والمدنية، وتصبح الساحة مكشوفة أمام الجميع ليفعلوا ما يشاءون من قتل وتخريب وسرقة وكل أشكال الجريمة التي تهدد الوجود البشر فضلاً عن رفاهية الجميع. وتكون نتيجة حملة التطهير السنوية بطالة أقل (لأنه سيكون قد تمّ القضاء على كل العاطلين في حملة التطهير)، وجرائم أقلّ (لأن النوازع العدوانية قد جرى تفريغها والتنفيس عنها خلال حملة التطهير)، والنتيجة اقتصاد أقوى!

وبمعزل عن الانتقاد الواضح الذي يقوم عليه الفيلم للتوجهات السياسية الفوضوية، إلا أن الذي يعنينا هو أن اختفاء الدولة لساعات معدودة يعني دخول الجميع في مرحلة الخطر والتهديد القائم والأكيد للحياة والأمن والرفاهية ولكل شيء. وفي هذا السياق لابد أن نتذكر نظرية توماس هوبز (1588-1679)، المفكر السياسي الإنجليزي الذي يعتبر أهم من أصّل لفكرة الدولة وسبب وجودها. يذكر هوبز أن الدولة تقيّد حرية البشر وتضع لهذه الحرية حدود لا ينبغي تجاوزها، ويبدو هذا التقييد ضد الطبيعة البشرية التي تريد التمتع بالحرية الكاملة وممارسة السلطة المطلقة على الآخرين، إلا أنه تقييد من أجل مصلحة أكبر وهي «المحافظة على أنفسهم وتحقيق المزيد من الرضا في الحياة» كما يقول. أما البديل عن الدولة (تقييد الحرية لمصلحة عامة) فهو العدوان الدائم والفوضى الشاملة وحرب الجميع ضد الجميع.

 والسؤال الآن هو: لمصلحة من يتمّ إضعاف الدولة؟ بعد كل الذي سبق أن إضعاف الدولة لا يخدم سوى الفوضى وإتاحة المجال لكل من يريد أن يعبث بأرواح الناس وأملاكهم وأعراضهم. هل سألنا أنفسنا لماذا نحتاج إلى وجود الدولة؟ نحتاج إلى وجود الدولة للقيام بالعديد العديد من المسؤوليات مثل: توفير المأكل والملبس والمأوى للفقراء والمحتاجين، وتوفير الرعاية الطبية والتعليم للجميع، وبناء الطرق وخطوط المواصلات وأنابيب المياه والصرف الصحين وتمويل البحوث باهظة الثمن بما في ذلك اختبار الأدوية، وحماية الصحة العامة، والدفاع عن الوطن، وملاحقة مرتكبي الجرائم أينما كانوا، وتنظيم الأعمال حتى لا تضر بصحتنا أو بيئتنا، وضمان قدرة العمال على تشكيل نقابات، ومنع ظروف العمل الاستغلالية، والتأكد من أن أرباب العمل لا يسرقون أجور الموظفين، وفحص الأطعمة للتأكد من سلامتها، وحظر المنتجات المضرة بالصحة، وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لإنقاذنا من كارثة الاحتباس الحراري، وحماية حقوق الإنسان للجميع، وتوفير التعليم للجميع وخاصة الذين لا تسمح ظروفهم بإدخال أبنائهم في مدارس خاصة.. إلخ.

إن القيام بهذه الوظائف يتطلب الكثير من الأموال والكوادر والتنظيم، ولا يستطيع أحد مهما كانت إمكانياته أن يوفّرها سوى الدولة، لذلك نحن بحاجة إلى الدولة. نحن بحاجة إلى دولة لمنع الأشخاص والشركات من التآمر لتهديد حقوق الناس ومصالحهم العامة. يمكننا أن نخيل شركات كبيرة تفوق قوتها قوة الدولة، ماذا ستكون النتيجة؟ كلنا نعرف أن مصالح الناس وحقوقهم، وخاصة الضعفاء، ستكون تحت التهديد. أتذكر أني قرأت هذه المقولة في أحد كتب المرحوم غازي القصيبي. كان الملك خالد بن عبدالعزيز يخاطب الوزراء ويقول: «اهتموا بالضعفاء، أما الأقوياء فهم قادرون على الاهتمام بأنفسهم». لهذا نحن نحتاج إلى دولة، ودولة قوية لتحمي مصالحنا وحقوقنا، ولهذا نحن لا يمكننا الاستغناء عن الدولة.

أعتقد أن المجتمع المثالي سيكون ذلك المجتمع الذي لا نحتاج فيه إلى وجود دولة يمثل حلمًا ورديًا جميلاً، لكن هذا المجتمع ليس أكثر من حلم وردي جميل، أما الواقع البشع والحقيقي، مع الأسف الشديد، فيمكن أن نكتشفه في اللحظة التي تغيب فيه الدولة بصورة كاملة. ماذا سيكون؟ سيتحول حلم «The Purge» إلى حقيقة على الأرض.

هذه رسالة أتمنى أن أتصل إلى كل أبناء البحرين. وعلى الجميع أن يدرك جيدًا أن بقاء الدولة الوطنية قوية ومستقرة هو ضمانة للجميع. وإذا كانت الأحدث المؤسفة التي مررنا بها في سنوات سابقة تثبت شيئًا، فإنها تثبت أن البحرين دولة ترتكز على ركائز ثابتة ومستقرة، وهو ثبات واستقرار شهد استكمالها الأكمل مع المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والذي يمثّل الخطوة الأهم في استكمال بناء الدولة الحديثة وتعزيز دورها كدولة جامعة لكل مواطنيها. ويمتاز هذا المشروع بأنه مشروع وطني جامع، التفت حوله كافة القوى والتيارات السياسية والنخب السياسية وجماهير الشعب البحريني. ومثّل وحدة الدولة والشعب في أبهى صورها، وضمن ترسيخ عوامل الاستقرار والتعايش والتسامح وحماية الحقوق، كما فتح أبواب المشاركة الديمقراطية أمام الجميع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها