النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

دروس «كــــورونــــــــا»..!

رابط مختصر
العدد 11483 الثلاثاء 15 سبتمبر 2020 الموافق 27 محرم 1442

  • المواطن هو الغاية من أي أولويات توضع، ومن أي خطط، او برامج، او تقدم، او تطوير

 

جملة من الدروس والعِبر ينبغي استخلاصها والاستفادة منها، هي من إفرازات هذا الظرف الاستثنائي غير المسبوق الذي سببته جائحة «كورونا» التي غيّرت حسابات وأولويات ومعادلات وخطط وأمنيات، مسّت الصحة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والحياة اليومية والتحالفات الدولية، وفرض اختبارات حقيقية لمبدأ التضامن والشراكات الدولية، وكشف بالجملة عن حقائق مرّة، بين من يخدم شعبه وبين من يسرقه، بين عقول وأدوات في منتهى الإخلاص والكفاءة والفاعلية، وعقول وأدوات تثبت مجددًا انها منتهية الصلاحية، بين كفاءات خطت خطوات اليقين والثقة والمهارة، وبين أشخاص فارغين حتى من الفراغ، بين فيروس أفرز ارتيابًا عميقًا تجاه كثير من الأمور كانت تعد من الثوابت أفقدها الفيروس رونقها، وأبرز هشاشتها، وغذى روح إحباط عميق اعترى النفوس، وفى نفس الوقت ولّد اصرارًا على تجاوز الحصيلة المتشائمة، وأظهر أناسًا يستحقون مراتب الشرف..

اذا فهمنا المتغيرات، واستوعبنا الدروس، وقرأنا المتغيرات قراءة صحيحة، سيكون لزامًا علينا أن نبني على الشيء مقتضاه، أن نسمى الأشياء بأسمائها ما دامت هذه الأسماء تفرض نفسها أكثر من أي وقت مضى، وأحسب أن الجميع سلموا، او هم على طريق التسليم، بالملاحظة والتجربة والنتائج بأن المصلحة الوطنية تقضي اليوم بشكل اكثر من أي وقت مضى الاقتناع بأن هناك أولويات بدأت تفرض نفسها فرضًا، واخرى ستفرض نفسها لاحقًا، وكلها لا يجب اعتبارها أحلامًا، او رغبات وتمنيات يمكن التغاضي عنها، وسيكون من الخطأ الاستدارة حولها..!

من المهم قبل كل شيء التأكيد بأن المواطن هو الغاية من أي أولويات توضع، ومن أي خطط، او برامج، او تقدم، او تطوير، وأي انحراف بأي شكل من الأشكال عن هذا الهدف هو إخلال او انحراف بكل تلك المقاصد، وعلى هذا الأساس لا بد ان يكون المواطن حقاً وفعلاًوواقعاً ملموساً، الهدف والوسيلة والغاية للتنمية والنماء والبناء، وأن تكون كل السياسات والمشاريع والبرامج مبنية على هذا الأساس، صحيح إننا وجدنا العديد من المسؤولين دأبوا على تكرار ذلك، منذ سنوات طويلة، وفي مناسبات مختلفة وهم يفعلون ذلك، يكررون نفس الكلام، نفس الشعارات، ولكن النتائج الملموسة في وادٍ آخر، هذه حقيقة حاضرة بقوة لمن يرصد ويتابع ويحلل ويستنتج، وهذا أمر يستحق أن يوضع تحت المجهر للوقف على ما تحقق مما يعلن من خطط وبرامج واستراتيجيات وما لم يتحقق، ولماذا لم يتحقق..!

على سبيل المثال نتوقف أمام الرؤية الاقتصادية للبحرين 2030 التى اطلقت فى اكتوبر 2008، والتي تم اعدادها بعد أربع سنوات من «المباحثات المكثفة مع مجموعة واسعة من قادة الرأي في القطاعين العام والخاص، من مؤسسات حكومية، ومؤسسات متخصصة، ومؤسسات استشارية، وهيئات عالمية»، ونذكر لجلالة الملك في لحظة إطلاق هذه الرؤية تأكيده بأن «هذه الرؤية ملزمة للجميع، وبأنه لا عذر لمن يعمل لوحده خارج إطار هذه الرؤية».

هذه الرؤية تبنت أهدافًا بالغة الوضوح، وكثر من المعنيين بأمر هذه الرؤية نسوا هذه الأهداف واكتفوا بالتغنى بها في التصريحات والمناسبات، يكفى القول إن الرؤية تعكس في جوهرها هدفًا أساسيًا يتمثل في حياة أفضل لكافة المواطنين، عبر ثلاثة مبادئ توجيهية أساسية في الاستدامة والعدالة والتنافسية، والتفاصيل تركز على محاور تقتضيها هذه الرؤية من ضمنها، الاستثمار في المواطن من خلال تعزز وتطوير واستدامة الخدمات الحكومية في التعليم والصحة والخدمات الاخرى، وترسيخ قواعد الاستثمار الأمثل للموارد وضمان استدامتها للأجيال القادمة، وزيادة الدخل الحقيقي للأسرة البحرينية اكثر من الضعف، ودعم الإبداع والابتكار والمهارات، وتنويع الاقتصاد، وتطوير النظام القضائي وبنية تحتية بمعايير عالمية، وخفض الانفاق غير الفعال، وايجاد نظام رقابي حكومي واضح وشفاف، ومحاربة فعلية للفساد..!

ذلك ما نصت عليه الرؤية التي نكرر بأنها اطلقت عام 2008،أليس جديرًا اليوم ان نقف وقفة مراجعة وتقييم لما تحقق من هذه الرؤية، وبأي شكل ومستوى هذا الذي تحقق، وما هو الذي لم يتحقق من هذه الرؤية، وما هي العوامل والأسباب وأوجه الخلل التي حالت دون تنفيذ ما هو وارد في الرؤية، او نفذ بشكل لا يمت بصلة الى الرؤية او بعيد عن جوهر ما استهدفته الرؤية..!

ارجعوا الى الرؤية يا سادة، والتزموا بجوهرها، ومبادئها، ومضامينها، وأسسها، واخضعوا أداءكم حيالها للشفافية والمتابعة والقياس، وحاربوا الفساد محاربة فعلية، وتذكروا أن الرؤية أطلقت عام 2008، وضيفوا عليها ما يفرض وجوده على وقع فيروس كورونا،وعلى وقع بقية التحديات والمستجدات، دون الشعارات المكررة، والكلام المكرر الذي يبقينا في مكاننا نراوح..!

أمر آخر بات ملحًا ان يوضع في صدارة الاهتمامات، اعداد استراتيجية وطنية للنهوض بواقع المنظومة التعليمية، وتأخذ في الحسبان التركيز على إصلاحات وتطويرات حقيقية في هذه المنظومة بوضعها الراهن، اصلاحات من الجذور والأعماق، ويكون ضمن أهم مرتكزاتها، نوعية وجودة التعليم والمخرجات وربط التعليم ربطاً حقيقيًا وفعليًا وملموسًا بسوق العمل، وصناعة الابتكار والابداع، يكفي ما استهلكناه من شعارات فى هذا المجال طيلة السنوات الماضية ولا زلنا نكررها، اضافة الى ذلك لا بد أن يكون هدف التحول الرقمي، ومحو الأمية الرقمية، أحد أهم هذه المرتكزات، بما يمهد لما بات يطلق عليه «المواطنة الرقمية» الذي عرّفته منظمة اليونسكو بأنها مجموعة من المهارات التي تمّكن الطالب والمواطن من التعامل مع مجموعة من التقنيات التي تفرض نفسها اليوم، وجاءت جائحة كورونا لتؤكد بالأدلة القاطعة مدى الحاجة للمواطنة الرقمية، وفي هذا السياق من المهم تشجيع الثقافة والصناعة المرتبطة بالبنية التقنية، وتكنولوجيا التعليم الالكتروني، والاعتماد على الكفاءات التقنية والابتكارية، وتشجيع اقامة مراكز علمية وبحثية حكومية وخاصة وفى الجامعات، من المهم أيضاً اعطاء دفعة قوية لكل ما يسمح بقيام صناعة صحية تشمل البشر والتخصصات والمستشفيات والعيادات والمختبرات وصناعة الدواء الى آخر المنظومة.

مهم ايضًا، بل بالغ الأهمية التركيز على خلق الادارة النقية والتي يجب أن تكون عنوانًا للكفاءة والجدارة والاستحقاق، مع توفير المناخ العام الذي يهيئ الالتزام بالمتابعة والانجاز وتفعيل أدوات المساءلة والمحاسبة، ويدفع الى إعادة هيكلة الادارة الحكومية بشكل يتناول جميع عناصر الهيكلة، وليس حصرها في احد او بعض هذه العناصر ومنها على سبيل المثال وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وليس تدوير بعض الأسماء التي تثبت عجزها في كل موقع، وجعل الكفاءة عنوان المرحلة المقبلة بالاعتماد على اصحاب الكفاءة والابداع والتميز والنزاهة، مرورًا بالتخلص من عوامل الترهل والخلل والجمود وانخفاض الكفاءة وحالات التسيب واللامبالاة وتشابك الاختصاصات وإعادة انتاج ما يجب ان نكون قد تجاوزناه منذ سنوات، وعدم تحديد آجال من يتولون مواقع المسؤولية بشكل يحد من ضخ دماء جديدة في شرايين العمل العام..! 

وأخيرًا وليس آخر، لابد من اعادة النظر في نمط الموازنة الحكومية، من موازنة اعتمادات ونفقات موزعة الى أبواب، الى موازنة للبرامج والأداء توزع فيها الاعتمادات على برامج ومشاريع قابلة للقياس والمتابعة وتقويم العائد والمحاسبة على التأخير وعلى النتائج بجرأة وشفافية، كذلك لابد من إعطاء الاهتمام اللازم لما يخرج به ديوان الرقابة المالية والادارية من مخرجات ووضع حد نهائي لكل اشكال الخلل والتجاوزات والفساد، كل ذلك مهم للغاية يمكن ان ينطلق بنا وبمهارة الى مستقبل يكون أفضل من الحاضر، لا يعاد فيه انتاج القديم..!

من المؤكد اننا خاصة على وقع تداعيات جائحة كورونا، سنكون أمام امتحان عسير، يجب ان ننجح فيه بامتياز، والمطلوب ان نحسن اختيار الطرق الموصلة للأهداف المنشودة التي نرسم من خلالها صورة المستقبل الذى نريده، بعيدًا عن المراوحات وخيبات الأمل، وبعيدًا، بعيدًا جدًا عن كل سلبيات الماضي وأخطائه، وحساسيات الحاضر وعثراته، وأيضًا بعيدًا عن كل الحسابات الخاصة، في المقدمة منها تلك التي تحول دون تسمية الأشياء بأسمائها، والمعنى في قلب الشاعر..!

كل ذلك يستدعي بالضرورة الجدية الجسورة تذهب بنا الى معالجات السلبيات من جذورها، الكامن منها والمعلن لا سيما تلك التي تعطّل، تؤزم، وتشوه، وتفسد، وتفّرق، وتقسّم، وتلوث واقعنا بشكل مرهق ومكلف، وكلها تستدعي التأمل والبحث في مسبباتها، وفي مقدمتها الرضوض والتشوهات التى أصابت مجتمعنا ونسيجنا الوطني، مسؤولية كل الأطراف اليوم التخلي عن إدمان معاقرة الآفاق المسدودة..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها