النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11563 الجمعة 4 ديسمبر 2020 الموافق 19 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

فيروزة العرب

رابط مختصر
العدد 11480 السبت 12 سبتمبر 2020 الموافق 24 محرم 1442

لم تكن أيقونة الغناء العربي فيروز رمزًا للبنان فقط، بل للعرب جميعًا، خصوصًا لجيل الستينات والسبعينات من القرن الماضي، الذي رافقها طويلاً وشُغف بها، فقد ارتبطت أغانيها بالحياة العربية أرتباطًا وثيقًا، إذ غنّت لفلسطين والشام ومكة والأندلس في موشحاتها الرائعة. كما غنّت للحب والمبادئ والقيم والحرية وسمت بالغناء العربي، وقدّمت نمطاً من الفن الرفيع، وكان صوتها الملائكي متلازماً مع تجليات الشعر، والألحان العذبة للأخوين رحباني. 

ثلاث أركان للأغنية الناجحة حافظت عليها فيروز، فشكّلت حضورًا كاسحًا لها في كل البلاد العربية، خصوصًا لذواقة الفن الرفيع. فشعراء أغانيها هم من النوابغ في الشعر العربي كالأخطل الصغير وسعيد عقل وجبران خليل جبران وإلياس أبو شبكة، مع أجود المختارات الشعرية من تراثنا القديم. وقد تمازجنا مع فيروز التي أسعدتنا عقودًا إلى حد التجلي الروحي.

رفعتنا فيروز معها عاليًا فوق السحاب ولمسنا معها النجوم والكواكب البعيدة وشارفنا تخوم التاريخ والمجد العربي في الشام والأندلس. كما غنت فيروز بألحان وكلمات مؤثرة لفلسطين فأجادت في (زهرة المدائن): إليك يا مدينة الصلاة أصلّي /‏ إليك يا بهيّة المساكن يا زهرة المدائن /‏ يا قدسُ.. يا قدسُ يا مدينة الصلاة. وغنّت للعودة: سنرجع يوماً إلى حيّنا ونغرق في دافئات المنى /‏ سنرجع مهما يمر الزمان وتنآى المسافات ما بيننا. وغنت للبنان، بحبك يا لبنان يا وطني، وبيروت هل ذرفت عيونكِ دمعة، وإغنيات من الفلكلور اللبناني، كماغنت لمكة: (غنيتُ مكة أهلها الصيدا /‏ والعيد يملأ أضلعي عيدا) كما غنّت للحب والحق والحياة، وكانت أندلسياتها من أرقى الغناء العربي حيث أعادتنا إلى قرطبة وغرناطة وقصر الحمراء والتاريخ العربي الشامخ في أوج إزدهاره: جادك الغيث إذا الغيث همى /‏ يا زمان الوصل في الأندلسِ /‏ لم يكن وصلك إلا حلمًا /‏ في الكرى أو خلسة المختلس. وغنت للشام فنقلتنا إلى العصر الأموي والمجد العربي: قرأتُ مجدك في قلبي وفِي الكتب /‏ شآم ما المجد أنت المجد لم يغب. 

وكانت أغنياتها في شعرها العامي كما في الشعر الفصيح تحسن اختيار الكلمات: عم بتضوي الشمس عالأرض المزروعة /‏ عم بتضوي الشمس والدنيي عم توعى. غنت فيروز كثيرًا فأشبعتنا فنًا وأشبعناها حبًا وتجاوبًا، وسمت بالحب وأطربتنا بصوتها الجميل: جاءت معذبتي في غيهب الغسق /‏ كأنها الكوكب الدريّ في الأفق /‏ فقلت نورتني يا خير زائرة /‏ أما خشيت من الحراس في الطرق /‏ فجاوبتني ودمع العين يسبقها /‏ من يركب البحر لا يخشى من الغرق. وفِي أغنية أخرى تقول: يا عاقد الحاجبينِ /‏ على الجبين اللجين /‏ إن كنت تقصد قتلي /‏ قتلتني مرتين، و: كل السيوف قواطعٌ إن جُردت /‏ وحسام لحظك قاتلٌ في غمده /‏ إن جئت تقتلني فقلبي محكمٌ /‏ منذا يطالب سيّدًا في عبده. ودفعني شغفي بالشعر إلى الشغف بفيروز فمعها يأتي الشعر مصحوباً بصوتها وألحان الرحابنة. 

وظلت فيروز تسكن بيوتنا كما سكنت قلوبنا. وعندما إنقطعت فيروزعن الغناء افتقدناها كثيرًا، ولَم نسمع بعدها غناءً يعادل صوت العنادل في غناءها. وعندما خبا صوت فيروز خبت وخابت حياتنا العربية وإنطفأت أحلامنا الشاسعة في وطنٍ عربي منيع نفاخر به الأمم، ومع صمت فيروز شهدنا أحد أسوأ مراحلنا التاريخية إن لم تكن الأسوأ في العصر الحديث، وكأن صمتها هو إدانة لنا جميعًا ولما يحدث. وكم سعدت وأنا أقرأ تصريح الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون بعزمه لزيارة منزل فيروز أولاً قبل قصر بعبدا، ورؤساء النظام البائد، فسيّدة الغناء تمثّل اللبنانيين أكثر من ساسة وزعماء لبنان الذين دمّروا بلادهم وجلسوا على أنقاضها، وقرار ماكرون يبعث رسالة واضحة إلى الساسة الكبار في لبنان، ففيروز التي أحبّت لبنان كما يحب الطفل أمه، هي الأكثر استحقاقًا لتمثيل الشعب اللبناني، فهي محبوبة هذا الشعب بمختلف طوائفه، وفِي الحرب الأهلية الطائفية (1975- 1990)، كانت أغاني فيروز تذاع في محطات كل الطوائف، فهي لم تكن منحازة إلى طائفة بعينها، إنها منحازة للبنان فقط وكل اللبنانيين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها