النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

البحـــــــر العـــــــــربي

رابط مختصر
العدد 11480 السبت 12 سبتمبر 2020 الموافق 24 محرم 1442

كما هو الحال في تسميتنا للخليج العربي الذي تطل عليه ستة دول عربية خليجية، ربما يكون من حقنا كأمة عربية أيضًا أن نطلق على البحر الأبيض المتوسط «البحر العربي» الذي تطل عليه تسع دول عربية، وأن ندافع جميعًا عن حقنا في خيرات هذا البحر كطريق تجارة ومكمن ثروات وبحيرة سلام.

وكما هناك الأمن القومي الأمريكي أو الروسي أو الصيني، هناك الأمن القومي العربي الذي لا ينحصر داخل حدود الدول العربية، وتبني سياسة الحياد أو عدم الانحياز لا يعني أبدًا النأي بالنفس عما يجري حولنا في هذه المنطقة من العالم، خاصة مع التطور العسكري والاقتصادي والسياسي وسرعة الاتصال والتواصل، وهو تطور حول العالم إلى قرية صغيرة بالفعل.

لقد كان البحر المتوسط عبر التاريخ طريقًا مهمًا للتجار والمسافرين من العصور القديمة، مما سمح بالتجارة والتبادل الثقافي بين الشعوب الناشئة في حوضه، أي في بلاد ما بين النهرين ومصر والفينيقيين وقرطاج والإغريق ومن بلاد الغال والرومان والعرب والأمازيغ واليهود والثقافات التركية وغيرهم الكثير، وبالنسبة لثلاثة أرباع الكرة الأرضية، يمثل البحر المتوسط العنصر الموحد لمركز تاريخ العالم.

لكن سياسات توسعية حمقاء تقودها أطماع عمياء ينتهجها أردوغان حاليًا تعيدنا قرونا إلى الوراء، وتركيا تدفع بالأمور إلى التصعيد سواء بالتصريحات العنيفة التي يطلقها أردوغان، أو من خلال المناورات العسكرية في البحر المتوسط أو ببدء نشاط سفن التنقيب عن الغاز والبترول في مناطق التوتر مع اليونان، وأنقرة تعطي القوة أولوية على الدبلوماسية، وحكومتها وسياستها تدور حول شخص أردوغان وتسيء إدارة الأزمة المتصاعدة شرقي المتوسط.

إن مياه البحر المتوسط التي ربما تشتعل بين لحظة وأخرى بحرب بين مئات القطع العسكرية التي تتكدس فيها كانت في وقت من الأوقات حاملة للسفن الفينيقية التي تنقل الأخشاب من سواحل لبنان وسوريا إلى أوروبا. هذا هو الفرق بين الحضارات التي تحول البحار إلى بحيرة سلام، والشخصيات التي تريد تحويل البحر إلى بركان.

الخلافات التركية-اليونانية بسبب غاز المتوسط اشتعلت من جديد بنيران حكومات عربية متطرفة مع الأسف، وذلك عندما وقّعت حكومة الوفاق الليبية اتفاقًا مع انقرة أعيد بموجبه ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، وما الذي حصل عليه الشعب الليبي بالمقابل؟ لا شيء سوى مزيد من المرتزقة المتطرفين، بالمقابل استيقظت دول مثل مصر ولبنان وتونس متأخرة مع الأسف على غنى منطقة شرق المتوسط بالنفط والغاز، رغم أن هذه الثروة ضرورية جدًا لاقتصاديات دولنا العربية.

ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية غير مستاءة من تصاعد النزاع في شرق المتوسط، بل ربما تتدخل لإذكائه، فهي تشارك في مناورات تركية من جهة، وترفع حظر الأسلحة عن اليونان من جهة أخرى، ومن الخطأ الاعتقاد أن أمريكا ترجح كفة الاتحاد الأوروبي على حساب تركيا، وقد اتهم سياسيون أوروبيون واشنطن بشكل صريح وأكثر من مرة بأنها تسعى لإضعاف دولهم. إنها سياسة المنفعة، السياسة التي عبر عنها بوضوح وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كاسنجر عندما قال «ليس من مصلحة الولايات المتحدة الامريكية إنهاء أي نزاع في العالم، بل الإمساك بخيوط اللعبة وتحريكها وفقا للمصالح الأمريكية العليا».

روسيا أيضًا مسرورة مما يحصل، وتركيا تسعى لإقحام روسيا - عدو الناتو اللدود - في هذا الصراع بدءًا من منح تركيا الشركات الروسية - وربما الصينية أيضاً - رخصة للتنقيب في المتوسط وصولاً إلى نشر أنظمة S400 في شمال قبرص التركية، وموسكو أيضًا حاضرة في هذا الملف من خلال شركات التنقيب في حالة لبنان، وتقديم التمويل المالي لقبرص واليونان، والوجود العسكري والاتفاقات الثنائية مع سوريا.

إن سياسة «حافة الهاوية» التي ينتهجها نظام أردوغان خطيرة جدًا، ولا أدل على ذلك من حديث أردوغان عن تمزيقه للخرائط الحالية، وما قام به نائب تركي موالي لأردوغان بنشر خريطة لتركيا تتضمن أجزاء من سوريا والعراق وغيرها، حتى بات الأتراك بتلك التصرفات يشبهون الفلاح الذي يقول إن حدود أرضه حيث ظل حماره، وكلما استطاع دفع حماره للأمام أكثر قال هذه أرضي وهذه حدودي.

كل ذلك يزيد من تلبد أجواء المنطقة بنذر حرب كبيرة، بل ويفتح الباب أمام دول مثل روسيا للمطالبة بإرثها القيصري وضم دول محيطة بها، وقد قامت بذلك بالفعل في جزيرة القرم وغيرها، وربما تطالب إيطاليا غدًا بإرثها الروماني، وألمانيا بإرثها الجرماني، وبريطانيا بأراضيها التي كانت لا تغيب عنها الشمس، ويشتغل الكوكب بالحروب.

يريد أردوغان تقديم نفسه على أنه زعيم للمسلمين في العالم، وقد دخل تحالفات مع دول إسلامية كماليزيا وباكستان ويستغل الدول المتعثرة في شمال أفريقيا بدءًا من ليبيا، ثم التحرك تدريجيًا نحو تونس، لكن أردوغان نفسه ظاهرة صوتية، ستنتهي حقبته طال الوقت أم قصر، وكلما زاد من قمعه واستبداده تراجعت شعبيته، كما أن الاقتصاد التركي في حالة سيئة للغاية، لذلك يلجأ إلى حشد الرأي حول الأفكار القومية التي تداعب أحلام جميع الأتراك، ومن بينها حق تركيا في أراضي الدول الأخرى مثل قبرص وسوريا وغيرها. وأذكر أنه صرح مؤخرًا عن اكتشاف كميات هائلة من الغاز في البحر الأسود في محاولة يائسة لمنح شيء من الثقة بالاقتصاد التركي والحد من انهيار الليرة.

توازيًا مع ذلك، بات الجيش التركي يسمي نفسه «الجيش المحمدي»، وهذا خطير جدًا، وتدمير ممنهج لأحد أهم أسس العلمانية التي قامت عليها الجمهورية التركية التي يدعي أردوغان كذبا حرصه الحفاظ عليها، كما أن الجماعات الدينية العقائدية التي تحمل السلاح تنزع نحو التطرف والإرهاب وفرض أفكارها على الجميع بقوة السلاح، فكيف سيكون الحال عليه لدى جيش مشبع بالأفكار الدينية وتوضع تحت تصرفه طائرات ومدرعات ومدافع وسفن حربية؟ دخلت أمتنا العربية في منعطفات خطيرة جدا منذ بدايات القرن الماضي، ولم أعد أعرف صراحة أي منعطف أخطر من الآخر، بل لقد أصابنا الدوار لكثرة المنعطفات وشدة انحائها وسرعتنا فيها، لكن الأمل لا زال موجودا في ذواتنا، الأمل في نقف كعرب إلى جانب بعضنا البعض كجسد واحد، أملٌ ربما نشعل وميضه الآن لتحوله الأجيال اللاحقة إلى حقيقة، أمل محبة وسلام للجميع كما كانت أمتنا دائمًا.

 

 * رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسِفِن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها