النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

الكورونا معطى اجتماعي...

رابط مختصر
العدد 11479 الجمعة 11 سبتمبر 2020 الموافق 23 محرم 1442

لا أُخفي مشاعري وأنا أراقب بانتباه مؤشر أعداد المصابين بفيروس كورونا في مجتمعنا في الأيام القليلة الماضية وهو ينحدر نزولاً باتجاه التسطح - قبل أن يبدأ في الاتجاه العكسي - من ستة آلاف إلى خمسة فأربعة حتى قارب النزول تحت سقف الآلاف الثلاثة فالألفين في الإحصاءات اليومية التي يحرص الفريق الوطني الطبي للتصدي لفيروس كورونا على نشرها باستمرار. كانت مراقبة اختلطت فيها مشاعر الزهو بهواجس الخوف؛ أما الزهو فانتشاء بإنجاز عظيم تضافرت فيه جهود مجتمع بأكمله أذعن لصوت العلم والطب والتزم بالتدابير الاحترازية فحد من وتيرة انتشار فيروس خطير لم تشهد البشرية له مثيلاً في سرعة الانتشار. مشاعر الزهو هذه جعلتني أقول متباهيًا أمام أصدقائي: «إن المستحيل ليس بحرينيًّا». أما الخوف فهو من أن يتهاون الناس ويتراخون أو أن يدب فيهم التعب من الانضباط والالتزام بالتدابير والاحترازات الأخرى.

لا شك أن الفضل في النجاح الذي أُنجز يعود كما ذكرت إلى توليفة فعالة بين وعي عام بخطورة الجائحة قاد إلى الالتزام بالمعايير الصحية المطلوبة لمكافحة الجائحة، وبين ما سعت الدولة إليه من تذليل لمختلف الصعوبات الاقتصادية على المواطن وعلى القطاعات الاقتصادية المختلفة التي تضررت كثيرًا من تأثيرات الجائحة على مناحي الحياة، وبين ما يبذله الفريق الوطني الطبي للتصدي لفيروس كورونا من متابعة وإصرار على الخروج من أزمة جائحة كورونا وضغوطاتها الاقتصادية والاجتماعية والصحية جعل هذا الفريق يفرض الانغلاق والتباعد الاجتماعي ويزرع بين الناس حالة من القلق الجميل والتوق الإيجابي الدائم إلى فضاء الصحة والحرية وتبادل الزيارات والتخلص من الكمامات.

لم يستمر زهوي كثيرًا ولم تتواصل سعادتي سوى أيام معدودات حتى بدأت أرقام الإصابات تتغير في اتجاه تصاعدي.. صعودًا بدا مخيفًا ولا يبعث إلا على الخشية من بقاء الفيروس مقيمًا يجوس في مجتمعنا، يفتك بأرواح البشر فيه رغم ما تبذله الدولة بكل مؤسساتها من جهود جبارة لمكافحة هذه الآفة، ويجبر الدولة على أن تبقى القيود قائمة إلى ما شاء الله. فبعد أن كانت أعداد المتعافين أكثر من أعداد المصابين صار العكس هو السائد في هذه الأيام. إذًا إنها الانتكاسة التي لم تكن في وارد الحسبان للنجاحات المتحققة منذ بداية الجائحة.. انتكاسة حقيقية على نحو غير متوقع، انتكاسة تطرح السؤال الآتي: «ما هي الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع عن التقدم المحرز في الأيام القليلة الماضية؟».

السؤال ليس طبيًّا، على أي حال؛ حتى نعرض عن الخوض فيه. إنه سؤال اجتماعي بامتياز طالما ظل الفيروس حبيس الفضاءات المحيطة بالإنسان من دون أن ينجح في استغلال تهاون أو غفلة لينفذ إلى الإنسان فيتحول إلى مشكلة صحية، وبمقدورنا كمجتمع أن نصل معًا إلى نقطة الخلاص من هذا الفيروس باعتباره مشكلة صحية مثل سائر الأمراض التي تتطلب الوقاية. ولكن ذلك يتطلب التحلي بالشجاعة في مواجهة المخطئين في المجتمع على مختلف نماذجهم، والجرأة على تنبيه المخالفين للتدابير الاحترازية مهما علا شأنهم؛ فعدم اكتراث بعض الناس بما يؤكد عليه الفريق الوطني صباحًا ومساءً من واجب الامتثال لطريقة الوقاية المثلى تباعدًا اجتماعيًا وتعقيمًا مسترسلاً لليدين بعقلية قدرية أو بسوء تقدير للعواقب، جريمة شروع في القتل تامة الأركان، وانتهاك اجتماعي صارخ لسلامة الفضاء العام وحق الآخرين في أن يكونوا بمنأى عن فيروس الكورونا القاتل.

هؤلاء المستهترون الذين لا يعيرون التفاتًا إلى ما تقود إليه نتائج سلوكهم العابث يمكن أن يستغلوا الانفتاح الجزئي الذي اتخذته الدولة على طريق الانفتاح الكلي ليدخلوا مع الدولة، عن طريق مؤسساتها، في مماحكات ليس فيها من شيء إلا أن تفتح الطريق أمام انتشار العدوى. والمتعمدون الذين يسعون إلى إشاعة كذبتهم بأن الدولة «لا تحقق شيئًا» في مواجهة الفيروس هم الجماعات المتطرفة.

ما نخوضه ضد الكورونا حرب حقيقية لا مجاز فيها، ضحاياها قتلى لا يتحمل وزر قتلهم إلا المستهترون والمشككون في سداد ما اتخذته السلطة الرسمية من إجراءات وتدابير لا غاية منها إلا حماية أرواح العباد وحفظ البلاد من آثار هذه الجائحة سواء البشرية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والثقافية والنفسية والقيمية وغيرها من مجالات الحياة التي أصابها فيروس الكورونا. وفي كل حرب ينبغي الانتباه إلى خطورة الإشاعة، والحرصُ على عدم تمريرها. واضح أن مثل هذه الإشاعة مجافٍ للحقيقة وأن فيها إنكارًا للمواقف الوطنية لدى شريحة واسعة من المواطنين. والشجاعة بناءً على هذا المعطى مطلب وطني يجعلنا نسمي المخطئين المذنبين في حق الوطن كائنًا من كانوا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها