النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

مزبلة النفايات النووية لفرنسا مازالت تحت الرمال الجزائرية

رابط مختصر
العدد 11477 الأربعاء 9 سبتمبر 2020 الموافق 21 محرم 1442

دخلت فرنسا الجزائر في 5 يوليو عام 1830 وأجبرت على الخروج منها في 5 يوليو عام 1962، سلطة استعمارية كانت كابوسًا على أنفاس الشعب الجزائري لمدة 123 سنة، وكان الاستعمار الفرنسي للجزائر ذا طابع استيطاني مثل الاستعمار الاوروبي الاستيطاني في جنوب افريقيا. في 26 أغسطس هذا العام دعت «الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية» فرنسا إلى تنظيف المواقع التي أجرت فيها تجاربها النووية، والمواقع التي دفنت فيها النفابات النووية. خلال الفترة من 1960 إلى 1966 أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في صحراء الجزائر حسب الادعاء الفرنسي، بينما تتحدث السلطات الجزائرية عن 57 تجربة نووية. كل تلك التجارب النووية تمت في عهد الرئيس ديغول، ودفنت كل النفايات النووية الناتجة من بقايا التجارب والأسلحة النووية النافذة والمحطات النووية للأغراض العسكرية والسلمية تحت الأرض الجزائرية حتى تبقي أرض فرنسا نظيفة من التاثبر الإشعاعي الذي يصاحب النفايات النووية المدفونة. لا شك أن نفايات المواد المشعة تحت الأرض لها تأثيرات كارثية مزدوجة، فهي تتسبب في التسمم الإشعاعي للمياه الجوفية والتربة الزراعية وأجواء المناطق فوق مزبلة المواد المشعة، والكل يعلم أن المواد المشعة هي السبب الرئيس للإصابة بالأنواع المختلفة من مرض السرطان وأمراض أخرى. 

لقد خلف الإشعاع النووي في الجزائر أكثر من 40 ألف مصاب بمختلف الأمراض، ونسبة عالية من المصابين يعانون من مرض السرطان وضغط الدم وتشوهات وأنواع أخرى من الأمراض. إن هذا الوضع الكارثي في الجزائر يبرز قضية شرعية من الجانب الجزائري ضد السلطات الفرنسية، وقد اتخذت السلطات الجزائرية جميع الإجراءات القانونية الدبلوماسية لحل هذه القضية العالقة بين الدولتين، ولكن لا حياة لمن تنادي، فالعنجهية الاستعمارية وتحقير الشعوب غير الأوروبية مازالت تعشش في أذهان القادة الفرنسيين من بداية الغزو مرورًا بالرئيس ديغول وصولاً إلى الرئيس إيمانويل ماكرون. خرجت فرنسا من الجزائر وتركت مزبلتها النووية لتعبث بصحة الشعب و تلوث بيئة الوطن.

فرنسا الثقافة والحضارة، وفرنسا الثورة وشعاراتها الثلاث: «حرية، مساواة، أخوة (بالفرنسية:Liberté, égalité, fraternité )»، فرنسا التي جندت عددًا كبيرًا من الجزائريين في حربها لتحرير فرنسا من النازية وكان الرئيسان أحمد بن بلا وهواري بو مدين ضباطًا في جيش التحرير الفرنسي بقيادة ديغول، لم تكتفِ فقط بنهب ثروات الجزائر وإذلال شعبها والتسبب في مقتل مليون انسان، بل إتخذت من أرض الجزائر مسرحًا لتجارلها النووية ودفنت زبالتها النووية في أرض ليست لها أدنى حق فيها، وهذه هي جريمة الانسان ضد أخيه الانسان بجميع أشكاله وأبعاده، دون أي وازع أخلاقي ولا شعاراتي ثوري. فرنسا الاستعمارية لم تستحِ من جرائمها حتى أمام شعارها الثلاثي «حرية، مساواة، أخوة». 

فرنسا الثقافة والثورة لوثت تربة الجزائر بالسم النووي مثلما لوثت الدستور اللبناني بالسم الطائفي قبل أن تعود إلى أرض الامبراطور الثوري نابليون بونابرت ؛ فرغم أن المسمى الامبراطوري لفرنسا تغير إلى مسمى الجمهوري، إلا أن الممارسات الامبراطورية (الاستعمارية) بقت تنفذ جرائمها ضد الانسانية في دول أفريقيا وآسيا، والأدهى أن الآثار السلبية لتلك الجرائم مازالت باقية تعاني منها الشعوب التي ذاقت مرارة الحضارة الفرنسية. 

فرنسا خرجت من الجزائر وتركتها ضحية لغول الإشعاع النووي، وهي بعد لم تستجب للدعوة التي وجهتها إليها «الحملة الدولية لإلغاء الاسلحة النووية» ولا للنداءات المتكررة من الحكومة الجزائرية، لأن هذا سيلزمها بتحديد مواقع الزبالة النووية، وضرورة إزالة تلك الزبالة، وهي بألوف الأطنان، من أعماق التربة الجزائرية، وليس مستغربًا أن تكون هذه الزبالة قد دفنت تحت سطح الأرض، في عمق ضحل، وليس في العمق المطلوب حسب معايير وكالة الطاقة النووية، لأن العملية مكلفة اقتصاديًا. 

إن اعتراف فرنسا بجرائمها النووية في الجزائر وما تسببت بها من أمراض وتشوهات لأكثر من 40 ألف جزائري، وتلويث المياه الجوفية وتسميم التربة، يقتضي منها قانونيًا دفع تعويضات للمصابين وللشعب الجزائري، وتضيف على التعويضات لفتة أخلاقية بكلمة اعتذار. إن الماضي النووي لفرنسا في الجزائر لا يجب أن يبقى مدفونًا تحت التراب، لكن القيادات الفرنسية أبت في الماضي ومازالت تأبى أن تعترف بجرائمها وتتعالى على الأخلاق بتأففها من كلمة «اعتذار»، وهي بهذه الذهنية التي تتسم بتعظيم الذات وتحقير الآخر، تنظر إلى الدول التي كانت تستعمرها نظرة دونية. أنه لأمر مؤلم أكثر من كونه مؤسف أن تفشل ثورة الحرية والمساواة والإخاء وثقافة الحضارة وحضارة الثقافة أمام امتحان الأخلاق والإنسانية...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها