النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

عبدالله الحمد.. الشعبي الذي رحل دون أن يودع الناس..

رابط مختصر
العدد 11476 الثلاثاء 8 سبتمبر 2020 الموافق 20 محرم 1442

  • اكتسبه من خلال تواصله الحميم بالناس وبقضاياهم التي راح يجسّدها ويترجمها من خلال اسكيتشات تمثيلية

 

نعم.. نعم أدرك جيدًا أنكم أصدقائي المسرحيين والفنانين في مختلف أرجاء الخارطة العربية لم تعرفوه وربما لم يتناهى إلى اسماعكم قط اسمه، ذلك أنه مأخوذ بكل تفاصيل وتضاغيف الشارع والاحياء والأزقة والمجتمع بدءًا من بلدته الصغيرة القضيبية وحتى آخر حدود الحب والود والطيبة والوصل في وطنه الأكبر البحرين، لذا كل من له صلة بهذه التفاصيل والتضاعيف يعرفه جيدًا..

إنه عبدالله بن يوسف الحمد الملقب بالشعبي، والذي اكتسبه من خلال تواصله الحميم بالناس وبقضاياهم التي راح يجسّدها ويترجمها من خلال اسكيتشات تمثيلية ومسرحيات ومونولوجات اجتماعية يقدمها في الأندية مثل نادي الولعة ونادي الوحدة والنادي الاهلي وغيرهم من أندية المنامة، ومن خلال بعض مسرحيات الأطفال التي شارك فيها عبر بعض المؤسسات الفنية الخاصة وخاصة مع الفنان حمزة محمد، وقد لعبت الأدوار الفكاهية الاجتماعية الساخرة 

التي كان يؤديها من خلال الاسكيتشات والمونولوجات دورًا كبيرًا في اتساع قاعدته الشعبية والتي صار يعرف من خلالها كروادف أخرى لاسمه الحقيقي اسهمت في شهرته وانتشاره بين افرادها في الحي الذي يقطنه وفي احياء المنامة ونواديها على وجه الخصوص..

ويعتبر الفنان الراحل بويوسف أو عبدالله الشعبي واحدًا من أهم رواد المونولوج والسينما في البحرين، فله بعض أفلام مع صديقيه المخرجين والممثلين مجيد شمس وعلي عباس  فأينما توجد مناسبة تتيح له المجال لتقديم مونولوجاته تراه يشارك فيها دون أدنى تردد، وقد وثق تليفزيون وإذاعة البحرين بعض هذه المونولوجات التي حظيت شهرة في حينها بين الناس ، كما عرض نادي البحرين للسبنما هذه الافلام..

إنه عبدالله الشعبي والذي يعد بجانب اهتمامه الفني رمزًا من رموز (الفزعة) في المجتمع البحريني، إذ ما من مهمة تطوعية تستدعي تعاونًا إلا وكان الشعبي في قائمة أهل النخوة، هذا إلى جانب دوره الشعبي البارز إبان انتخابات المجلس النيابي في عام 73، حيث كان قائدًا لبعض الحملات الانتخابية في منطقته القضيبية وبالذات حملة النائب السابق المحامي محسن مرهون الذي حصد أصواتًا كثيرة وثقة كبيرة بسبب الجهود الكبيرة والمخلصة التي اضطلع بها الإنسان الشعبي الأصيل والعزوة والشهم عبدالله الحمد..

وتتسع قاعدة الراحل الباقي عبدالله الشعبي الجماهيرية من خلال مد جسور متينة مع شخصيات فنية وثقافية لها حضورها الشعبي المميز وخاصة فترة السبعينيات من أمثال الفنان الشعبي الأصيل سلمان الدلال وزملاء له في مجال الفن من أمثال الفنانين محمد الزياني وأحمد العوضي وصقري وبدري وحسن عبدالرحيم وإبراهيم عيسى وأنور أجور  ومجموعة أخرى عمل معهم وعايشتهم إبان اشتغالاتهم المسرحية والفنية في نادي الوحدة (النجمة حاليًا)، الأمر الذي أسهم في ازدياد اتساع قاعدته الشعبية بين أهل الفن والناس في مختلف مناطق البحرين مدنًا وقرى..

ولأن الشعبي المولع بحب ووصل الناس لا يستطيع كسر عادته الشعبية اليومية بعد توقفه عن مزاولة فنه، اضطر لفتح دكانة صغيرة لبيع الانتيك والقطع التراثية القديمة المحببة للناس في السوق الشعبي بمدينة عيسى، ليفتح من خلالها أيضا مسرحه الاجتماعي الشعبي البسيط الذي يقصده أصدقاؤه والمولعون باقتناء هذه القطع، لتتسع بذلك شعبيته أيضًا بين الناس، ولا تخلو هذه الدكانة من الوثائق والصور التاريخية القديمة التي حظيت باهتمام الكثير من الناس فيما بعد المشروع الاصلاحي..

إنه الشعبي الأصيل المحب للناس بلا حدود والذي يقصدهم حتى وإن تخلفوا عن السؤال عنه، وهو الذي تنطبق عليه مقولة الصديق الفنان حسن عبدالرحيم بعد أن وصله نبأ وفاته (عبدالله الحمد الإنسان الذي أحب الناس قبل أن يحبوه).

وهو فعلاً كذلك.. لا ينتظر حبًا من أحد، لأنه اعتاد أن يكون هو السباق لحب الناس دون أن ينتظر مقابلاً من أحد، وهذه شهادة كل من يعرفه ومن بينهم الكاتب والأديب البحريني محمد عبدالملك الذي عرفه عن كثب وظل سؤاله عن الشعبي يسبق أي كلام حين يراني في اللقاءات الصداقية أوالمناسبات الفنية أو الثقافية..

وتمتد شعبية الشهم الأصيل بويوسف الشعبي إلى أغلب مجالس البحرين، حيث لم يتوانَ عن حضورها حتى ولو كانت الأسباب تفوق طاقته الجسدية والصحية، إذ يهمه أن يرى الناس ويجالسهم ويدلي بدلوه الشعبي فيها، فهو فاكهة المكان ونكهته أينما حل أو ارتحل.

هذه العادة الشعبية الحميدة أصبحت أشبه بالإرث الجيني في أسرته الحميمة، بدءًا من شقيقته أم فهد زوجتي والتي وقف معها بعد وفاة والده في وقت مبكر حتى تخرجها من الجامعة إلى اللحظة التي غادر فيها الحياة إلى مثواه الأخير، وصولاً إلى زوجته وابنه يوسف وابنته نورة فاحفاده وابناء شقيقتيه الراحلتين وذلك بوصفه والدًا وصديقًا ومربيًا وبوصلة حياة..

وتنسجم هذه الخصلة الشعبية النادرة والفريدة التي يتمتع بها الراحل عبدالله الشعبي مع اشتغالاته المدرسية والتربوية والتعليمية في وزارة التربية والتعليم بوصفه رئيسا للمخازن المركزية، حيث شكل فريقًا حيويًا أمينًا مخلصًا لمهامه العملية، وكان ودون أن ينتظر اذنًا من أحد يقصد المدارس بنفسه ويتفهم متطلباتهم واحتياجاتهم دون أن يعتمد في كل مهامه على فريق عمله فقط، فصار معروفًا ومحبوبًا بين كل الهيئات الادارية والتعليمية في مدارس البحرين ودائمًا ما يذكر اسمه بالخير، حتى أنه ومن كثرة مجالسته مع بعض العمال الهنود أصبح يتقن ويجيد لغتهم.

ونظرًا لعلاقاته الحميمة بفريق عمله المدرسي، أصبح معروفا لدى أهاليهم ومعارفهم وخاصة في بعض القرى، وهذه العلاقة لمستها بنفسي شخصيًا معه حين قصدت معه أحد أفراد فريقه في إحدى القرى ويدعى فاضل، فما إن وطأت قدما عبدالله الشعبي القرية حتى استقبله جمع من ابنائها بالحب والود وكما لو انهم يعرفوه منذ زمن طويل وكانت كلمة الترحيب لديهم في استقباله (حيا الله الشعبي.. حيا الله الشعبي) ..

ونظرًا لعلاقات الشعبي الحميمية بالناس، تشكلت لديه ذاكرة فريدة يعرف من خلالها ويستحضر مواقف وأسماء وأحداث جرت أو عاشها في أزمنة قديمة يصعب على كثير من الناس تذكرها واستحضارها، ليصبح الشعبي من خلالها ذاكرة شعبية لا غنى على من ضلت ذاكرته أمرًا أو موقفًا ما من اللجوء إلى الشعبي لتذكيره بها.. 

ويبرز صدى هذه الذاكرة في حفظه لقصائد ومواويل قديمة نادرة فريدة تذهل من يستمع إليها في هذه المجالس التي يرتادها، إضافة إلى بعض القصائد الشعبية الاجتماعية الساخرة التي كان يؤلفها ويقدمها في اسهاماته الفنية..

هو الشعبي الذي لا يمكن أن يتخلى عن أي واجب تجاه الناس حتى من لا يعرفهم، فهو الشعبي الأصيل ابن الناس ومنهم واسمه يسبق كل الأسماء إذ لا يوجد اسم يصل الإنسان بالآخر أجمل من الشعبي، ولأنه اسم على مسمى لم يستطع حين ألمت به معضلة صحية أن يقبل نفسه أو وجوده دون الناس في غرفة بمشفى لا يزوره أو يعوده فيها غير بعض أسرته وهو الذي اعتاد أن يرى الناس في جموعهم وفي مجالسهم وفي الأسواق وخاصة الشعبية التي وكما لو أن اسمها جاء نسبة إلى اسمه أو كما لو أنها تنتمي إليه، لذا كانت أو ربما كانت العزلة النفسية وخاصة في زمن الكورونا الذي صنع بلاؤه وداؤه حاجزًا نفسيًا صعبًا بين الناس أنفسهم بالرغم من عدم تورط الشعبي به، كانت أحد الأسباب الرئيسية التي ضاعفت معضلته الصحية والنفسية معًا وتوفاه الله قبل أن تعود المياه إلى مجاريها الشعبية التي اعتاد عبدالله الشعبي النهل والسباحة فيها بأمان واطمئنان..

هل أدركتم الآن أصدقائي المسرحيين والفنانين في كافة أرجاء خارطتنا العربية لماذا أكتب عن هذه الشخصية الشعبية الفريدة في وطني البحرين؟.. لروحك أيها الشعبي الإنسان الفنان المحب الرحمة والسكينة والطمأنينة والسلام ولنا الصبر والسلوان..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها