النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11526 الأربعاء 28 أكتوبر 2020 الموافق 11 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:24AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    4:59PM
  • العشاء
    6:29PM

كتاب الايام

تدمير الثقافة في بيروت

رابط مختصر
العدد 11473 السبت 5 سبتمبر 2020 الموافق 17 محرم 1442

لم تسلم الثقافة من الدمار الشامل في بيروت، ولن تكون آثار هذا الدمار مقتصرة على لبنان، فبيروت هي عاصمة الثقافة العربية وما يصيبها من ضرر يصيب كل البلاد العربية. ورغم أن اللبنانيين قد شيّدوا منذ عقود بنية ثقافية صلبة متعددة، ولكن لم تكن الثقافة في لبنان في عافيتها وزخمها القديم في الستينات والسبعينات، حيث بدأ انحسار الثقافة مع المد الأصولي في الثمانينات واستشراء الفساد في بنية الدولة، فتراجعت الثقافة والحداثة مبكرًا وتدريجيًا مع تصاعد وتيرة الفساد وتوغل الأصولية الدينية التي فرضت هيمنتها على المجتمع والدولة، إلا أن عراقة هذا المجتمع واشتغاله بالحداثة والثقافة فترة طويلة ممتدة، شكّل حماية متينة للبنية الثقافية العميقة الجذور في لبنان.

وظلت بيروت تقاوم هذا الضمور لتحافظ على تراثها الثقافي العريق، إلا أن حادث الانفجار المروع الذي دمّر البنية الثقافية في جملتها من مبانٍ ومؤسسات ثقافية عامة وخاصة وغيرها، قد أتى على ما تبقى من البنى الثقافية المنتشرة في أنحاء العاصمة اللبنانية.

ونتمنى أن تكون هذه الكارثة المفجعة بداية النهاية لنظام سياسي كان الأسوأ في تاريخ لبنان الحديث، إذ أسرف هذا النظام في أذى اللبنانيين على كل المستويات، وانسحب أذاه على العرب بدورهم، فلبنان جزء فاعل كبير في الثقافة العربية الحديثة، وما يصيبه من أذى أو تغيير ينسحب على العرب والثقافة العربية بشكل عام. فلبنان (على سبيل المثال) هو الأكثر نشاطًا في مجال صناعة النشر والطباعة، وتعتبر دورالنشر اللبنانية الأكثر نشاطًا وإنتاجًا للكتب، التي كانت تعتمد على تقنيات متطورة وحديثة، وبيروت كما نعرف هي الأوسع نشرًا وانتشارًا للكتاب، إلا أنها لم تعد كذلك في العقود الأخيرة، التي لم تكن فيها (لبنان تطبع والعرب يقرأون)، فالأزمة المالية واستشراء الفساد والخراب في الدولة كان له تأثير سلبي كبير على صناعة النشر حيث تقلّصت إنتاجيتها. 

وأتمنى أن تعود الثقافة إلى قديم عهدها في لبنان، كما كانت منذ الستينات والسبعينات في القرن الماضي، كما أتمنى أن تكون هذه الكارثة هي القشّة الأخيرة التي ستقصم ظهر البعير، فاشتداد الأزمة كما نعرف هو بداية لنهايتها، وسيكون الانفجار الشعبي الذي بدأ وتواصل منذ شهور أقوى من انفجار مرفأ بيروت، وسيكون ذلك نهاية لعهد وصل ذروته في تخريب وإفساد كل ما له علاقة بحياة المواطن على مختلف الأصعدة.

التغيير السياسي في لبنان صار حتميًا، وسنكون واقعيين في تمنياتنا، فما تم تخريبه في عقود لا يمكن بناؤه في سنوات قليلة، لكن البداية بدأت لتكون أول خطوات التغيير، فالنظام يفقد قدرته على التوازن، وهو يصل إلى طريق مسدود ليس له مخارج، واللبنانيون بعد الانفجار تضاعفت رغبتهم في التغيير وتضاعف تصميمهم، والنظام أصبح عاريًا ومكشوفًا ولم تعد لديه مساحة كافية للمناورة. ومثل غيرها من الحقول العامة المتضررة، كانت الثقافة التي تمييزت بها بيروت عن غيرها من البلاد العربية هدفًا للتدمير الشامل الذي أصاب بنيتها الثقافية إثر الانفجار، وشمل التدمير مؤسسات ثقافية كثيرة ومتعددة منها المباني التراثية القديمة، والجاليريات وما أكثرها في بيروت، والمكتبات العامة والتجارية والمنزلية، ودور النشر والمطابع والمنحوتات الفنية والمسارح ودور السينما والمعارض التشكيلية العامة والخاصة وهي كثيرة، والتي اشتملت على لوحات فنية لا تعوّض بمال. وأصبحت كل مباني المؤسسات الثقافية خارج الخدمة وغير صالحة للاستعمال وهي في حاجة إلى إعادة بناء أو ترميم، وفقدت هذه المؤسسات المدمّرة أجهزة وأدوات ثمينة، والأهم من ذلك أن هناك مبدعين قضوا في الكارثة أو جرحوا وأصيبوا بأضرار جسدية. وتحتاج بيروت إلى زمن طويل لتُضمّد جراحها، وبعض هذه الجراح غير قابلة للتضميد. 

ومن بين الخسائر الثقافية أيضًا قصور تراثية تعود إلى العهد العثماني والفرنسي تهدمت بأكملها، ودمر الانفجار مباني تراثية يقدر عددها بـ600 مبنى، كما تم تدمير مبنى مؤسسة رمزي ودلول للفنون ويضم 4000 عمل فني من إنجاز 400 فنان من الدول العربية، كما تدمرت مقرّات المؤسسات الثقافية.

لكن المثقفين اللبنانيين احتملوا مصابهم ولملموا جراحهم وأطلقوا حملة واسعة للتبرع للمؤسسات الثقافية المتضررة وحسب الأولوية وكمية الأضرار، وتحتاج كل هذه المباني بالإضافة إلى البناء والترميم إلى تعويض أجهزتها ومحتوياتها المفقودة. الكارثة شاملة وستحتاج بيروت إلى وقت طويل لاستعادة عافيتها، لكن كما يقال (بيروت لا تموت)، وكما أعاد اللبنانيون بناء بلادهم بعد الحرب الأهلية الطويلة التي استمرت خمسة عشر عامًا، سيعيد اللبنانيون ما دمّرته الطبقة السياسية سيئة الذكر، لكن ذلك لن يحدث في ظل هذا النظام الذي حرم اللبنانيين من خيرات بلادهم واستقرارهم، وعزلهم عن أشقائهم العرب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها