النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11727 الإثنين 17 مايو 2021 الموافق 5 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:22AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:18PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

الشحات بين قصيدتين

رابط مختصر
العدد 11470 الأربعاء 2 سبتمبر 2020 الموافق 14 محرم 1442

لم يكن الشعر مقصدًا، ولا النثر مآبًا، لكنه القدر الذي يرمي بك في أحضان المجهول، فإما أن تكون وإما ألا تكون!!

منذ شهور أو سنوات ترافقت مع حلول عام 2011، برياحه الخريفية، ورياحينه الموسمية، وبينات أفكاره الطارئة، وأنا أحاول الاقتراب من خطوط حمراء مثيرة، من توازٍ بين تقاطعين، وتقاطع بين متوازيين، حملت على عاتقي مشقة النثر والشعر، الصحافة والأدب، الثقافة والاقتصاد، وكان من بين هذا وذاك معارك واضطرابات، احتجاجات وثورات، وبين هذا وذاك شعرة معاوية التي سكبت الزيت على النار، ووضعت الجمر المشتعل تحت الرماد الخامد، وأسرفت على نفسها في إقامة الحدود، وتحدت الجميع في الصمود والتصدي.

متغيرات أضافت، وأخرى حذفت، منغصات خصمت وسعادة لا مثيل لها، جميعها، جميعها تآلف فأْتَلف، وتحالف فاختلف، وانقض ليبقى، واستسلم ليعيش، هكذا حال أمة وكاتبها، ووضع وطني صعب ومفكريها المؤمنين، وهكذا يخرج الشعراء من تحت الأنقاض كي يضيفوا لأمتهم حزنًا على أحزانهم، وفرحًا على أفراحهم، وعمق بصيرة على عميق بصائرهم، إضافة منزهة عن الأغراض، وحصافة لا تمت بأدنى صلة لعدة أو عتاد، وحياة تتجلى وسط دنيا على المحك.

من بين شعراء اللحظة، شعراء كُثر، وفوق كُتاب هذا الزمان، كُتاب كُثر، وعند أطراف الحديث عن الجميع تقفز بعض الأسماء إلى ذهنيتي المترددة، هل الشاعر المصري محمد الشحات كان ومازال يمثل إضافة حقيقية لزملاء عاصروه وآخرين لم يعاصروه؟

هل كان الشعر المنتصر على تفعيلته الموزونة، والنثر المتخلل محيطًا عنيدًا من حوله على حق، أم الشحات وحده على هذا الحق؟ شعر النثر أو شعر التفعيلة، المصنوع أم المخلوق؟ جميعها أسئلة تواكب مرحلة الكلام عن الكتابة، أو الكتابة عن الكلام.

لماذا الشحات تحديدًا؟ لأنه يسبح ضد تيار شاهقة أمواجه، وفادحة خطاياه، مارقة أطرافه، وجارح مُحياه.

في دواوينه الـ20 قرأت في فنون التعاطي مع الظلال، أكثر مما صادفت مع الحقيقة قبل أن يلتهما الخيال، وفي رحلته الطويلة مع ابنه المغترب، ومكابداته اليومية مع أحداث تجرأت، وحكايا تجاسرت، ومواءمات تبعثرت، كان الشحات يمشي على أسنة الرماح، وكأنه يرقص «السامبا» على غاز الهيدروجين، يطوق بخار الماء بكلتا ذراعيه، ويقفز في الهواء بقدم واحدة وليس بقدمين، ويحلق مبهورًا بالكشف المبين عن فحوى بيت في قصيدة، أو قصيدة من بحر، أو بحر من زمن، أو زمن من يعاني بشاشة الالتقاط.

شعر محمد الشحات في مجال النقد الأدبي يحتاج لفصول من الكتابة المتأنية، والقراءة الدقيقة، طالما أننا اخترنا شاعرًا معاصرًا لكوارث حلت، وجوائح تمادت، وتفجيرات ارتبطت بمكنون على المدى من الحاضر، وعلى الصدى من صوت.

قصيدته أرى فيها «من أجل أبنائي» فيلمًا إعجازيًا عن عائلة هندية تركت أثرًا إنسانيًا في أمة الإنسانية، وبينما تراه هكذا في قصيدة، نشاهده وهو يحاسب نفسه بنفسه في قصيدة أخرى، أو وهو يطارح عازف الناي الحزين في طقطوقة من مقامات الزمن البديع، أو حين يتجرأ على لاعبي السيرك فيدخل إلى عالمهم المتوتر بالبهلوان المهذب، أو مصارعة الأسود الفاتنة، أو حينما يعتدي على خصوصية الساحر العاشق، فينقض على أدواته، على أرانبه، وفئرانه، ومقتنياته، ويلعب معه كأنه جزء لا يتجزأ من خداع بصري، أو ترتيل صوفي، أو تمشيط لشعر لا تنسدل خصلاته بالضرورة على أكتاف صاحبها.

الشعر هو الشعر.. والنثر هو النثر، مهما اقتحما عالمًا مغلقًا، أو صندوقًا مُحكمًا، أو التقطنا في مشوارنا المتدفق الصعب طاقية الإخفاء أو خاتم سليمان، لعله يعثر معنا على ما فقدناه، وعلى ما وجدناه، وعلى ما نسعى كي نلاحقه حتى لا نخسره. 

الشعر هو الشعر، والنثر هو النثر، فنٌ محفوفٌ بإعجاز اللغة، ومخاطر التفكير، والحالة هي الحالة قصائد متربعة على عرش الزمان والمكان، وقرّاء يتكاثرون أمام بيت معذب، أو خلف جملة مؤثرة، بالنهاية هي محمد الشحات شاعرًا في عصمة الورق، يتحدى، يكابد، ويبحث عن المجهول.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها