النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

نحو شيء من التعقل...

رابط مختصر
العدد 11470 الأربعاء 2 سبتمبر 2020 الموافق 14 محرم 1442

 منذ الأيام الأولى التي فيها عصفت جائحة كورونا بالمجتمعات الإنسانية ومن ضمنها مجتمعنا البحريني الصغير المتحاب، انشغلت في أكثر من مقال بتناول هذه الجائحة موضوعا للكتابة؛ لتسليط الضوء على ما خلفته الجائحة من خسائر بشرية ومادية وما فرضته من تعطيل قسري لكافة أشكال التواصل البشري، إيمانًا مني بأن كل جهد مهما تضاءل حجمه فإنه بالقطع يسهم في نشر الوعي بين الناس لمواجهة الجائحة والحد من تغولها في المجتمع البحريني. حقيقة، لم أكن لأتصور أبدًا أن يأتي اليوم الذي يُخلط فيه الحديث عن الجائحة بالحديث عن السياسة، أو أن تتداخل المذهبية لتصبح طرفًا في تناول الجائحة، لكن تلك هي صروف الحياة عندما تبتلى فيها المجتمعات بالمذهبيين المعتوهين وبجوقة من المرضى النفسيين الذين يسيئهم استتباب الأمن والاستقرار، وأن يروا الناس، على اختلاف ما تعتقد وتؤمن، متعايشين متحابين. 

 لا يخفى أن لهؤلاء المذهبيين والمعتوهين والمرضى النفسيين، وهم بالمناسبة مزيج من كل الخلفيات الدينية والسياسية والعقائدية، ملعبهم الذي يمارسون فيه عتههم ونرجسيتهم. ملعبهم هذا توفره، بكافة التسهيلات، وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف تنوعها، والتي بدلاً من أن تكون فرصة للتقريب فيما بين الناس عبر الحوارات التي تتيحها، غدت نكبة على المجتمعات وعاملا من عوامل الفرقة بين أفراد المجتمع الواحد. لقد أضحت وسائل التواصل الاجتماعي في الفضاء الالكتروني مكبات لكل الموبقات التي تعتمل في نفوس هؤلاء المذهبيين المعتوهين وعقولهم الخاوية إلا من مرض الطائفية المذهبية الذي يلقى الرعاية والدعم من قوى أجنبية ما كانت يوما تريد للبحرين خيرًا، وما رأينا منها إلا السوء تآمرًا ودسائس وشحذًا لسكاكين الخيانة بالمال والإعلام الموبوء.

 هذه القوى الأجنبية لا ترى مصلحة في استتباب الأمن والاستقرار في البحرين؛ لأن في ذلك ما قد يصيب مشاريعهم التخريبية في مقتل، فهم تحديدًا الذين يعملون بكل ما أوتوا من حيل وألاعيب على تفتيت المتآلف وتقويض المنسجم بتحويل الاختلافات إلى خلافات يتطاحن في أتونها أصحاب الديانات والمذاهب تطاحنا يعلمون أن فيه دمارًا يسعون إليه بما أوتوا من جهد. وعند الحديث عن حالتنا في المجتمع البحريني، تجدر الإشارة إلى أن المذهبيين المعتوهين الذي يستصيخون السمع لكل ما يصدر عن القوى الأجنبية المؤيدة للشيعة أو المؤيدة للسنة، موجودون هنا، وهم على استعداد لتنفيذ كل ما يُصدّر لهم من تعليمات هدفها الأول والأخير شق الوحدة الوطنية لتسهل عملية إضعاف الدولة المدنية التي صرف الكثير من الجهد والعرق لبنائها بهذا التماسك. وبالمناسبة فإني أؤكد أن هؤلاء ليسوا حكرًا على مكون اجتماعي واحد، وإنما هم بكل الألوان تراهم هنا وهناك، وحيثما كان المعتقد الديني أو الممارسة الطقوسية مجالا لإثارة نعرات الجاهلية الجهلاء تجدهم هناك متربصين يلتقفون الوقائع والأقوال يركبونها في احترافية عالية ويبثونها سمًا زعافًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي طلبًا للفتنة المرجوة.

 قيل الكثير والكثير جدًا حول الأضرار الاجتماعية التي تترتب على الاستخدام السيئ لوسائل التواصل الاجتماعي. ولاحظ، عزيزي القارئ، أن هناك «مواسم» يتم فيها تنشيط هذه الوسائل بهدف العبث بالسلم الأهلي وتقويض ركائز التفاهم الاجتماعي الطوعي الذي أسسه الآباء والأجداد. تفاهم رعته حكومة رشيدة وتبنته مؤسسات المجتمع المدني وعملت المدرسة على تحويله إلى رأس مال ثقافي رمزي يؤمن به المواطن البحريني قبل أن يفتخر به. في وقت ما مع بداية انتشار فيروس كورونا كان هنالك إنجاز يتم على صعيد تحقيق النجاح في محاربة الجائحة بفضل التعاون الذي أبداه أفراد المجتمع وتجاوبهم الرائع مع تعليمات الفريق الطبي الوطني لمكافحة فيروس كورونا، ولم يكن ذلك ليسر الطائفيين في المذهبين؛ لأن في هذا التضامن النموذجي ما يفسد عليهم أحلام الفتنة المرجوة. 

 ماكينة التحريض المذهبي في مجتمعنا البحريني موسمية، كما أنها تشتغل أيضا بناءً على ما يدور من أحداث في العالم العربي أو الإسلامي. وينبغي علينا تكثيف المراقبة التقنية على الفضاء الإلكتروني للسيطرة عليها. وفي اعتقادي أن أكثر مصائبنا هي تلك التي ينتجها المذهبيون على وسائل التواصل الاجتماعي. لاحظوا أنه ما إن دخلت علينا مناسبة عاشوراء حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالإسفاف والقبيح من الكلام. وإلا فما مناسبة تداول «فيديو» مثل ذاك الذي يشتم فيه الصحابة؟ ومن جانب آخر لماذا يتم تداول فيديوات تحقر من معتقدات المكون الشيعي؟ الأمثال أكثر من أن تستوعبها مساحة هذا المقال وذكرها يغزز ويُثير الاشمئزاز، ولهذا فإن المشكلة إذا لم يتم محاصرتها بقوانين رادعة فإنها قابلة لأن تكبر وتصبح كارثة وطنية.

 ما يجمعنا لنكون مجتمعًا مثاليًا أكثر بكثير مما يفرقنا. ولا نحتاج إلى قدوة سوى ملكنا الحكيم. نحتاج فحسب إلى أن نلتفت قليلاً إلى الوراء، إلى الماضي القريب الذي بنى فيه آباؤنا مجتمعًا متميزًا يضرب به المثل في تسامح أفراده وتعايشهم وتحابهم، ونحتاج إلى شيء من التعقل في التعامل مع ما يعرض في وسائل التواصل الاجتماعي حتى نتبين ونميز الصواب من الخطأ والخطاب البريء من الخطاب الآثم وخطاب التجميع من خطاب الفرقة والكراهية والتشتيت. حانت ساعة التحلي بالوطنية الصادقة والتخلي عن عدم المبالاة والتبعية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها