النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

في ذكرى العبودية وابنتها العنصرية

رابط مختصر
العدد 11470 الأربعاء 2 سبتمبر 2020 الموافق 14 محرم 1442

يوم 23 أغسطس من كل عام، وبقرار من الأمم المتحدة، تحيي الإنسانية ذكرى التذكير بالجريمة الكبرى والأعظم في التاريخ البشري منذ أن وعى الإنسان ذاته قبل ألوف السنين، إنه التذكير غير الاحتفالي ببشاعة استعباد الانسان للانسان، وجعل الانسان القوي نفسه إلهًا متسلطًا على الانسان الضعيف، وليس إلهًا رحيمًا. إنه التذكير من وحي الضمير الحي من أجل إيقاض الضمائر النائمة، وتنشيط الضمائر الكسولة المتخاذلة، وترويض الضمائر المتأرجحة بين إغراءات المصالح الخاصة ومسؤوليات المصالح العامة، من أجل إحداث النقلة النوعية للنفس البشرية من الأنانية الفردية الضيقة إلى آفاق الإنسانية الرحبة، أي معالجة الانسان من آفة الاستغلال إلى صحة التعاون والتآزر.

عمر العبودية ألوف السنين، والانسان ما زال يعاني من سياطها وأمراضها وتبعاتها ونجاستها، والأدهى من ذلك أن الإنسان المعاصر استطاع أن يبتكر أنماطًا جديدة من العبودية، وأسوأها هي «عبودية العقول» التي تتحقق من خلال «غسيل الدماغ».

قرارات إحياء التذكير بالرق والعبودية تعود إلى عشرينات القرن الماضي أيام عصبة الأمم، وفي خمسينات القرن الماضي ورثت منظمة الامم المتحدة تلك القرارات وأجرت عليها تعديلات، وكان أحدث تلك التعديلات هو ما أعلنته الأمم المتحدة باعتبار يوم 23 أغسطس من كل عام يوما عالميا لإحياء ذكرى ضحايا الرق وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي بموجب قرار صادر عن الجمعية العامة في 17 ديسمبر عام 2007، تكملة لليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وذكرى إلغائها الذي أعلنته منظمة «اليونسكو». ومنظمة الامم المتحدة تحيي هذه الذكرى هذا العام 2020 تحت شعار «معًا في مواجهة إرث العبودية من العنصرية»، وتناشد البشرية في جميع أصقاع العالم إلى العمل الجاد والدؤوب من أجل إلغاء الاتجار بالرقيق. والقرار الاممي يركز بشكل ملفت للانظار، ويكاد أن يكون فضحًا لواقع مخزٍ مزر، عندما يكرر عبارة «ضحايا الرق وتجارة الرقيق عبر المحيط الاطلسي»، وحتى عندما يدعو إلى وضع برامج التوعية التثقيفية من أجل حشد الجهات المجتمعية المختلفة بشأن ضرورة التذكير بهذه الجربمة التاريخية عبر إحياء ذكراها كل عام وتحت شعارات متجددة، فإن عبارة «تجارة الرقيق عبر الأطلسي» حاضرة، وهذا يكشف عن دلالة تاريخية مرتبطة بالاستيطان الاوروبي الراسخ والثابت في القارة الجديدة (العبودية هي التي رفعت الركن الاقتصادي الأساس لأمريكا). إن تجارة الرقيق عبر الاطلسي، وهي الأكبر عبر التاريخ، كانت لها ضرورات اقتصادية لصالح المستوطنين الجدد في القارة الجديدة الذين نهبوا مساحات شاسعة من الارض في حاجة إلى التعمير بسرعة، وهذه الضرورة الاقتصادية اقتضت وجود سوق للعبيد، وهذه السوق اقتضت وجود صيادين يصطادون أبناء القبائل البدائية في أفريقيا ويبيعونهم على وكالات تجارية، وهذه الوكالات تبيعهم على أصحاب الأرض والملك في القارة الجديدة... وهذه هي باختصار قصة البذرة الاولى للاقتصاد الرأسمالي الجبار في القارة الجديدة، والتي انحصرت اليوم في كيان الولايات المتحدة الامريكية.

وقد «دعا القرار الاممي إلى وضع برامج التوعية التثقيفية من أجل حشد جهات، منها المؤسسات التعليمية والمجتمع الدولي بشأن موضوع إحياء ذكرى تجارة الرقيق والرق عبر المحيط الأطلسي، لكي تترسخ في أذهان الأجيال المقبلة أسباب تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي ونتائجها والدروس المستخلصة منها، والتعريف بالأخطار المترتبة على العنصرية».

إن هذه القرارات الأممية والأدبيات الكثيرة التي تدور حولها، لا تتعدى حدود الصيغ الانشائية التي ترسمها خيوط الحقوق والعدالة والانسانية، وكأن الرق والعبودية والاتجار بالانسان مسألة سلوكية بحتة نابعة من الذات المجردة التي تفتقر إلى الضمير والأخلاق، وهذه أمور تقتضي التربية والتوعية والتثقيف بلا شك. رغم أن منابع السلوك عند الانسان، وهي الضمير والأخلاق، لها علاقة بظاهرة العبودية عند الانسان، إلا أن الدافع الأساس هو النقلات التاريخية لنمط الاقتصاد، وهو طبيعة علاقات الانتاج التي يحددها النظام الاقتصادي السائد.

كل القرارات الأممية والصرخات الانسانية والاقلام الثقافية ليست سوى حبر على ورق طالما أن مبدأ «الربح» هو السائد في علاقات الانتاج والذي هو جوهر النظام الراسمالي، فإن العبودية ستعيش وتترعرع، وتنمو بأشكال جديدة.. العبودية هي وليدة اقتصاد الربح، والعنصرية هي وليدة العبودية، والعنصرية وأمها العبودية هي قدر الانسان ما دام «الربح» حيًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها