النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

بشأن بلاغ ضد صحفي!!

رابط مختصر
العدد 11465 الجمعة 28 أغسطس 2020 الموافق 9 محرم 1442

 «أوه.. اشصاير بعد؟!.. هكذا تمتمتُ بصوت تساقطت حروفه على مسامع زوجتي؛ لتسألني: اشفيك انت؟! قول لي اشصاير. قلت: لحظة خليني أكمل القراءة وأخبرك.. اشفيني. إمارات السؤال وعلامات التعجب التي كنت أستشعرها مرتسمة على وجهي، كانت تستعجل زوجتي وتزيد من إلحاحها لتعرف ما الذي يجري معي، وبالطريقة البحرينية تعيد القول: أهـ.. يلا قول اشفيك...». ما تقدم مقطع مجتزأ من حوار دار بيني وزوجتي ساعة قرأت على «الانستغرام» مقتطفات من البلاغ الذي تقدمت به المحامية هدى عيسى الشاعر، ضد جريدة «أخبار الخليج» على خلفية مقال للكاتب القدير عبدالمنعم إبراهيم منشور بها بتاريخ 24 من الشهر الجاري، وكان بعنوان «الحيوانات تلتزم بالتباعد الاجتماعي وقت المرض.. والبشر مستهترون».

 أول ما قمت به بعد قراءة مقتطفات بلاغ المحامية هو الرجوع إلى المقال المبلغ عنه؛ لأعيد قراءته مرة أخرى لعل شيئًا مهمًا فاتني الانتباه إليه وإدراكه، ولكن المحامية أو من وكلها قد تفطنا له فأثار حفيظتها أو حفيظتيهما، فقدّرا أنه يستحق الشكوى فبادرا إلى رفعها، وقدما البلاغ إلى النيابة. الحقيقة لم أجد في المقال رغم إعادة قراءته مرة وأخرى شيئًا يستحق أن يثار من حوله سؤال، حتى يتحول إلى قضية. المقال يتحدث عن استهتار وعدم مبالاة، لكن الكاتب لم يقصد به أحدًا بعينه، وكتب في المطلق نصًا قدر له بنية إقناعية مؤسسة على حجتي العلم والواقع، وهما في عرف المهتمين بالحجاج من أقوى الحجج وأشدها قدرة على التأثير في المتلقي وحمله على الاقتناع بأطروحة الكاتب التي لا أظن عاقلين يختلفان فيها أو حولها. الكاتب قدم بعض الأمثلة لحوادث تناقل فيها البحرينيون الفيروس، مثل إشارته إلى خبر الطفلة التي تسببت في إصابة 13 فردًا من عائلتها.. فهل، يا تُرى، لهذه الطفلة أن تقيم دعوة مشابهة على الكاتب؛ لأنه احتج بها على وجاهة موقفه؟.

 أطروحة الكاتب، بحسب قراءتي، توجهها رغبته في القيام بواجبه مواطنًا ومثقفًا في رفع الوعي لدى المواطنين والمقيمين، وبحسب هذا المقصد صمم مقاله وطلب من القارئ الاعتبار باعتماد أمثلة وحجج تدرج في عرضها من دنيا الطبيعة إلى عالم الثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي؛ ليصل في نهاية المقال إلى الإجابة عن السؤال الذي طرحه في أوله وكانت هذه الإجابة أن الإنسان لا ينبغي أن يكون مستهترًا بأرواح وسلامة من حوله في حالات الأوبئة المعدية، وهي الحالة التي نعيش تفاصيلها اليوم مع البشرية جمعاء. بحسب قراءتي للمقال أقول إنه لا يسيء لأحد لا من قريب ولا من بعيد. وفي تقديري أقول إنه لو أن الكاتب اختار عنوانًا مغايرًا للمقالة ما كان ليثير حفيظة المحامية أو من وكلها.

 شكوى المحامية - بعيدًا عن المزايدات الحقوقية - تثير في ظني مسألة دور الكتاب والمثقفين عامة في ظل معطى موضوعي فرضته جائحة تهدد بقاء النوع البشري إلى الحديث عن دور الكتّاب، ونقول في هذا الإطار في ظل أزمتنا الصحية التي تمس صميم وجودنا الإنساني، ينبغي أن يتعاضد المبدعون، كل في مجاله، ليشكلوا حراكًا يفيض بعطائه على الجميع رفعا من منسوب وعي هذا الجميع، وشحذا للعزائم، حتى يجد الناس أو البشر في قلوبهم قدرة على التعامل بواقعية أكبر مع هذا الوباء الفتاك تتجاوز بأضعاف المرات ما يتعاملون به الآن مع هذا الخطر الداهم. هذا وباءٌ ولا يمكن ترك الحبل على الغارب. وباءٌ استنفرت له طاقات دول، وكرست له ميزانيات ضخمة لكي تتم محاصرته والقضاء عليه، ولا يسمح كل حيوان عاقل ناطق مدني لمستهتر أو عابث أو «مسيس» كائنًا من كان أن يأتي من الأفعال والأعمال ما يقوض الجهود ويعيدنا إلى المربع الأول، وكأن شيئًا لم يكن سوى الوباء يحصد أرواح الأبرياء ويقصم ظهر الاقتصاد ومقومات البقاء.

 البلاغ الذي قدمته المحامية بسبب المقال، وهي أدرى إن كان المجتمع البحريني فعلاً بحاجة لمثل هذا البلاغ، وهو مقال لا أرى فيه أي إشارة إلى طائفة معينة بقدر ما هو خطاب توعوي موجه لكافة القراء من جميع الديانات والمذاهب والطوائف والجنسيات ممن يعيشون على أرض المملكة؛ ليكونوا في مستوى الحدث والمسؤولية الوطنية، يقودني إلى مقارنة تفرض نفسها عبر السؤال الآتي: من يستحق المقاضاة حقًا؛ ليقدم للنيابة، كاتب مارس دوره الاجتماعي بحرفية عالية، ونبه المجتمع إلى الأضرار الناجمة عن الاستهتار واللامبالاة والتي ستكلف البلاد غاليًا، أم من يفتش في ضمائر الخلق مؤولاً اللغة وفقًا لهواه متغافلاً عمن تعمد العمل على الإخلال بالاحترازات والتدابير الطبية، سواء بعلم أم بدون علم، أم إنسان تجاهل كل التدابير والتحذيرات وعمد إلى خرق القانون وعرض حياة غيره للخطر؟.

 على أي حال، كقارئ استوعب عظم ما بذلته الدولة وما سخرت من إمكانيات مادية وبشرية لمكافحة الجائحة، وقدّر حجم المسؤولية الوطنية التي ينبغي أن يتحملها كل مواطن في هذا الظرف الاستثنائي، أقول مرة أخيرة أن الكاتب وفق ما خَطَ لا يستحق المقاضاة بكل تأكيد... إذا تعذر شكره وتقديره طبعًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها