النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

انفجار بيروت وذكرى هيروشيما

رابط مختصر
العدد 11463 الأربعاء 26 أغسطس 2020 الموافق 7 محرم 1442

ما أشبه أغسطس هذا العام بأغسطس عام 1945، مع فارق كمي في نتيجة الضحايا والدمار، وفارق نوعي في وقع الكارثة المأساوية على الإنسان. يوم الرابع من أغسطس عام 2020 تشكل فطر دخاني عملاق في أعالي سماء بيروت في لبنان، وفي السادس من أغسطس عام 1945 تشكل فطر دخاني عملاق في أعالي سماء هيروشيما في اليابان. وكلاهما من فعل فاعل، فاعل معلوم في هيروشيما، و فاعل معلوم-مستور في بيروت. أغسطس هذا العام هو الذكرى 75 للمحرقة النووية في هيروشبما وناجازاكي. خرج الفطر العملاق من قمقمه في سماء بيروت قبل يومين من إحياء ذكرى خروج الفطر العملاق في سماء هيروشيما، فامتزجت بيروت بهيروشيما فتولد اسم جديد هو بيروتشيما، وهذا من أجل التذكير بأن انفجار هيروشيما و انفجار بيروت وجهان لعملة واحدة (عملة عبث الإنسان بالإنسان). ليته كان مجرد فطر عملاق من الدخان، لكان أشبه بزينة بريئة في السماء، ولكنه الفطر الذي يطل على محرقة الإنسان ضد الإنسان. المحرقة الأولى أشعلتها مصالح أنانية لدولة كبرى، وهي بعد جريمتها ضد الإنسانية تخطت سمة الكبرى إلى مرتبة العظمى، وهنا الطامة الكبرى، ولكن رتبة العظمة هذه تنتظرها محكمة التاريخ وبعدها إلى مزبلة التاريخ. ومحرقة بيروت أشعلتها مصالح أنانية لشرذمة في دولة صغيرة، وهذه الدولة إن بقيت كالجارية تنتقل ملكيتها من يد عابث نزق شبق إلى يد عابث نزق آخر أكثر شبقًا، فإنها آيلة إلى الفشل والسقوط في هاوية المجهول، ولا يهم أمر الملاكين الشبقين بالنسبة للتاريخ لأنهم من شرذمة نجسة نكرة ترفضها حتى مزبلة التاريخ.

بين الانفجارين مسافة زمنية قدرها 75 عامًا، لم يحصل بينهما أن شهدت السماء أي فطر عملاق في فضائها، رغم استمرار الحروب وتفجيرات القنابل بأنواعها المتطورة والضحايا والدمار بعد هيروشيما، مما يعني أن انفجار بيروت وانفجار هيروشيما يلتقيان في صفة مشتركة، وكأن الانفجار في بيروت أقرب إلى قنبلة نووية، ولكنها تكتيكية، اعتمادًا على المقاس النسبي بين نتاج الانفجارين.

الدمار المادي وبغض النظر عن مداه، يمكن قياسه وإدارته وتدبره، والزمن بفضل التمويل الاقتصادي والعمل العمراني كفيل بإعادة البناء وفي حلة أبهى، فبعض الدمار محو كامل لمدينة كاملة مثلما حصل لهيروشيما وناجازاكي، وبعضها محو جزئي نسبي لمدينة مثلما حصل لبيروت، ولكن إعادة البناء أمر حتمي ومقدور عليه. الأمر الأشق على الإنسان هو الدمار الذي يصيب الإنسان نفسه، وهنا يكون نتاج الدمار فاجعة تتخطى حدود المادة الصماء إلى النفس الحية، النفس المحكومة بالحس المعذب بأنواع الآلام، آلام جسدية ونفسية وذهنية، وآلام مباشرة وأخرى غير مباشرة، الضحايا، أموات وجرحى ومشردون دون مأوى، تنتقل معاناتهم وآلامهم إلى الأهل والأقارب، والوطن بكامل سكانه البشري يعيش مأتم الحزن والألم والأسى. هذا الإنسان المعذب كيف السبيل إلى إعادة بنائه؟!!!

في اليابان، وبمجرد أن انقشع الفطر الدخاني العملاق من سماء المدينتين المنكوبتين، استفاق الشعب الياباني من أثر الصدمة المزلزلة وهب، بكامل جسده الوطني، واقفًا شامخًا أمام الفاجعة، وبروح واحدة وكلمة واحدة ورؤية واحدة، قرر الشعب إعادة البناء في حلة عمرانية جديدة وأكثر جمالاً وبهاءً، وصار الذي أراد، وقرر إعادة الحياة إلى تربة الأرض التي قتلتها سموم النووي، وتنفست التربة وتحولت الأرض إلى جنة، وفكر في القرار الأهم والأصعب، وهو إعادة بناء الإنسان! وتحقق له بناء الإنسان، بشهادة المكانة الاقتصادية الرائدة التي تحتلها اليابان على رأس قائمة الدول الأغنى في العالم. هكذا تعاطى وتفاعل الشعب الياباني مع المحرقة النووية، واستطاع أن يتخطى الجروح العميقة للفاجعة، وبنى فوق رمادها دولة ناجحة وغنية، فأضحت دولة عظمى بارتكازها على القوة الاقتصادية. كانت تريد أن تصبح دولة عظمى بقوة السلاح، ولكنها أصبحت دولة عظمى بقوة الاقتصاد.

هذه هي قصة اليابان بعد الانفجار الكبير، فأية قصة تنتظرنا في لبنان بعد انفجارها الكبير؟!!!

مثلما سبق وقلنا، فإن المهمة الكبرى التي تحمل التحدي الأعظم، ليس إعادة بناء ما دمر وتهدم، بل إعادة بناء الإنسان، بعد إصابته بجروح عميقة في الجسد والنفس والروح، بعد الشعور بأن كرامته قد أهينت وأن مكانته قد اهتزت وأن انسانيته قد ذلت! هنا التحدي العظيم.

هل بإمكان لبنان أن تخطو خطوات اليابان؟!!! إن القدر الذي كان يحرك الإنسان في اليابان غير القدر الذي يجثم على أنفاس الإنسان في لبنان. قدر لبنان، أنها أصوات عديدة متضاربة، أرواح عديدة متنافرة، ورؤى عديدة متناقضة، ودول عديدة قريبة وبعيدة عليها متكالبة، فكيف السبيل إلى إعادة بناء الإنسان في ظل هذه التعددات المتلاطمة التي تمزق وحدة الجسد الوطني؟!!! إن هذا القدر هو تحدٍ أكبر من تحدي الانفجار الكبير، فهل بإمكان لبنان أن تستجمع قواها وقدراتها في إرادة وطنية واحدة وتقفز فوق هذا القدر لتعالج آثار الانفجار وتباشر في إعادة بناء الإنسان؟!!!

إن أهل مكة أدرى بشعابها، وأهل لبنان أدرى بإرادة لبنان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها