النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

اختبار للمواطنة...

رابط مختصر
العدد 11463 الأربعاء 26 أغسطس 2020 الموافق 7 محرم 1442

بعد كل هذه الفترة التي تمتد على أكثر من تسعة شهور من الاستنفار العالمي التي واجهت فيها دول العالم، ولا تزال، فيروس كورونا أو ما وصفته منظمة الصحة العالمية بالجائحة، ما يزال البحث مستمرًا عن علاج ما ينهي هذه الجائحة أو يخفف من وطئها على أقل تقدير. هذه الجائحة تعد واحدة من أكثر الكوارث الصحية فتكًا بصحة الأفراد في المجتمعات الإنسانية لسرعة انتقال العدوى بين بني البشر، مما أدى إلى أن تعمم الدول على مواطنيها إجبارية الأخذ بالتدابير والاحترازات الصحية التي تحد من انتشار الفيروس الذي تغول في المجتمعات وأصابها بالشلل، وجمد حركة السفر، وعطل الأعمال، وأوقف كثيرًا من المصانع، الأمر الذي أصاب اقتصادات الدول بأفدح الخسائر والأضرار. المفارقة المتصلة بهذه الجائحة ماثلة في تقابل بين شدة فتك الفيروس وبساطة إجراءات الوقاية منه وقابلتها للتنفيذ من دون الحاجة إلى معدات طبية خارقة، ويمكن تلخيص هذه التدابير والاحترازات هنا في الآتي: عدم التساهل في تطبيق التباعد الاجتماعي والجسدي، وغسل اليدين وتطهيرهما باستمرار، والحرص على لبس الكمامات.

هي تدابير ثلاثة مهمة يتفق المعنيون بالصحة العامة على أنها خطوات تسهم في الحد من انتشار عدوى الفيروس، وبالتالي تتيح للدولة، بعد التأكد من التزام المواطنين والمقيمين، أن تتخذ الإجراءات الضرورية للحد من حالة الإغلاق التي أتعبت حالة البلاد الاقتصادية وأنهكت أوضاع مؤسسات إنتاج الثروة، وأن تفتح البلاد حتى تعود إلى الحركيتين التجارية والمالية حيويتهما. 

جل اهتمامات حكومات دول العالم قاطبة منصبة اليوم في اتجاه حماية مجتمعاتها والعمل على الحد من انتشار الفيروس بين مواطنيها والمقيمين على أراضيها. والسؤال الذي يطرح نفسه في «أجواء الكورونا» هو: هل هناك يا تُرى من يتعمد أن يظهر استهتارا تجاه ما يصدر من الجهات المنوط بها حماية المجتمع من انتشار هذا الفيروس، لا سمح الله، أو هل أن هناك من يبدي لامبالاة أو عدم اهتمام أو تلكؤا في مشاركة مجتمعه اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بألا يكون أفراد هذا المجتمع ضحية هذا الفيروس اللعين؟! كل السلوكيات المضمنة في السؤال واردة، وعلى المواطنين والمقيمين أخذ الحيطة والحذر.

أقر بأن ما تقدم فيه شيء من نبرة نصح، رغم أن النصح ليس من طبعي، وإذا كان هناك من نصح فإنني سأوفره لنفسي. فما تقدم هو نتيجة أو قل ردة فعل هادئة لما يتم تداوله حول مسارب تضيق وتتسع يتيحها المواطنون والمقيمون على أرض هذا الوطن للفيروس كي يتخلل منهم لينتشر ويصيب آخرين لا قدر الله. ومن ضمن ما نُشر في الإعلام المحلي وكان له وقع مؤلم ما يأتي: «أربعيني يصيب 17 من أقاربه في 7 أسر بكورونا نتيجة المخالطة وفقًا لصفحة تتبع أثر المخالطين على موقع وزارة الصحة.» هذه ليست الحالة الأولى ولا الوحيدة طبعًا، فوفقًا لهذه الصفحة هناك أكثر من حالة شبيهة سواء لمواطنين أو غير مواطنين. وهذه الحادثة تؤكد ضرورة التحوط والالتزام بتطبيق التباعد الاجتماعي، والقول بتطبيق التباعد الاجتماعي معناه الصريح الابتعاد عن التجمعات بكل أشكالها ومقاصدها.

ولعل الحديث عن التجمعات يقودنا إلى الحديث عما يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي من خروج بعض، وأشدد على كلمة بعض، المعزين عن الضوابط الصحية التي اتفقت عليها دائرة الأوقاف الجعفرية مع رؤساء المآتم الكرام. خروج، بعضهم، على الضوابط الصحية بمعاييرها التي وضعها الفريق الطبي لمكافحة فيروس كورونا لها معنى واحد لا غير وهو الاستهتار بصحة المجتمع. وهذا لا يتفق أبدًا مع ما لهذا الشهر من قدسية.

لا أحد يناقش في أهمية المناسبة وقداستها، وخصوصًا عند الأخوة الشيعة الكرام؛ لكن الأكيد أنه ليس مسموحًا أن يستثمر بعض الموتورين هذه المناسبة سياسيًا؛ لأن الحديث هنا يدور عن ظرف استثنائي خضعت له دول العالم قاطبة وطال عبادات كثيرة إلى درجة أن بعضًا من الإجراءات والاحترازات قد طالت الحج وجعلته حجًا محدود الأعداد. 

حكومة البحرين تولي أهمية بمناسبة عاشوراء وتمنح المواطنين إجازة رسمية، وتقدم التسهيلات التي تحتاجها المآتم والحسينيات وتسخر إمكاناتها لإتمام شعائر هذا الشهر بنجاح وسلام. فهذا على البحرين ليس بغريب؛ فالسرديات التاريخية تحكي الكثير في هذا المجال، وبقيت البحرين محافظة على إرث إقامة هذه المناسبة بما يتفق مع إيمان أصحابها منذ عهود طويلة، ويذكر التاريخ أن أول موكب عزاء كان قد أقيم في المنامة عام 1891، هذا تراث رسمي ومكون أصيل من مكونات الشخصية البحرينية التي ألفت بين الطوائف والملل والأعراق لتحول البحرين إلى حديقة جميلة، بهاؤها في تنوع أزهارها. 

باختصار، المسألة لا ريح للسياسة فيها -بمنطق المزايدين- هي ببساطة حرص على سلامة العباد والبلاد من وباء فتاك لا يرحم، ولنا في ما جرى من طفرة وبائية أيام رمضان وعيد الفطر خير درس إذا أردنا الاتعاظ والاعتبار ومن ثم الاحتياط، فهذا الفيروس ينتعش في التجمعات وفي انتعاشه مكمن المأساة، فلنحرص معا على التضييق على هذه الجائحة بشيء من الانضباط حتى نضمن لأنفسنا الاحتفال بنصر قريب عليها، وإحياء مختلف المناسبات متجمعين من دون فقد عزيز أو قريب أو صاحب. ولمن شاء تسييس المسألة، وهم ليسوا قلة، أقول إن الالتزام بإجراءات السلامة اختبار مواطني ووطني في آن، فإما أن تكونوا في صف الوطن والمواطنة بانضباطكم وإما فلا!..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها