النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

الخلاق سناء شافع..

الصعلوك الذي خرج على مناهج المسرح..

رابط مختصر
العدد 11462 الثلاثاء 25 أغسطس 2020 الموافق 6 محرم 1442

أثناء دراستي بالمعهد العالي للفنون المسرحية بدولة الكويت من العام 76 وحتى 1980 من القرن الماضي في قسم النقد والأدب المسرحي، تعرفت على طرق ومناهج وأساليب واتجاهات عدة كان يقدمها لنا نخبة فريدة من أساتذة المسرح الضالعين في مجالاتهم وحقولهم المسرحية والذين استقطبت إدارة المعهد أغلبيتهم من جمهورية مصر العربية، ليصبح بهم هذا المعهد من أقوى وأهم المعاهد والأكاديميات المسرحية في الوطن العربي حينها، وأذكر من بين هذه القامات المسرحية، الأساتذة كرم مطاوع وجلال الشرقاوي وأحمد عبدالحليم وإبراهيم سكر وفؤاد دوارة وعلي درويش وسعد أردش وإبراهيم حماده والمايسترو يوسف السيسي وطارق عبداللطيف ومحمد حسن عبدالله وصادق حطاب وأحمد عتمان ومصطفى عثمان وعبدالله العيوطي وعلى رأسهم عميد المعهد سعيد خطاب، ومن تونس المنصف السويسي، إلا أن الأكثر تأثيرًا منهم على حياتي المسرحية أثناء الدراسة بالمعهد وبعدها هما أستاذ النقد المسرحي الدكتور أمين العيوطي وأستاذ التمثيل والإخراج الدكتور سناء شافع، فإذا كان الأول استفز خلايا التحليل والتفكيك لدي في مادة النقد نظرًا لعمق ثقافته وفكره وقدرته على استثمارهما في محاضراته ودراساته النقدية وتوريطنا نحن دفعة النقد في استثمار ذلك السخاء الثقافي النقدي في رؤانا واجتهاداتنا النقدية التي نقترحها من خلال مادة النقد التطبيقي بعد مشاهداتنا للعروض المسرحية التي كانت تقدم في حيز المعهد نفسه من قبل طلبة قسم التمثيل والإخراج أو التي تقدم من خلال الفرق المسرحية الأهلية والخاصة بالكويت أو من خلال الفرق المسرحية العربية التي يستضيفها المعهد أو المجلس الوطني الكويتي للثقافة والآداب والفنون، إذا كان الأول كذلك فإن الثاني الراحل الباقي الدكتور سناء شافع كان تأثيره يشمل حياتي المسرحية كلها.

من خلال أستاذي الدكتور سناء شافع تجاوزت منطقة السياج الأدبي المؤسس لكتابة النص المسرحي الذي جذبنا إليها بمنهجية صارمة أستاذي الدكتور محمد حسن عبدالله في مادة (الكتابة الدرامية) والذي وجد فيني المؤلف قبل الناقد من خلال النصوص التجريبية الأولى التي قدمتها في هذه المادة، إذ مع الدكتور سناء أجبرت على أن أخضع هذا النص المقدس لمشرط التشريح والتفكيك وإعادة كتابته لأكثر من مرة في معمل الرؤية الاختبارية التي تقتضي قراءات أخرى متحولة ومتجددة وكما لو أنك تكتب هذا النص بلغة الفعل والصورة والمتخيل، هي لغة البحث عن مناطق استكشافية أخرى في الكتابة الفعل أو المتخيل المرئي.

ولعل الورطة الكبرى أن يتبنى تجربتك الكتابية فنان مبدع قرين للقلق متمرد على الثوابت والسائد في الحياة وليس في المسرح فحسب، لا يحفل بالمنهجية الصارمة التي درج على تمثلها أغلب أساتذة المعهد، بل له الفضل في تحطيمها بجسارة تفوق التصور، فنان تتكئ وتعتمل رؤاه على مجمرة الخلق التي شكلت بحة صوته المميزة، حيث السيجارة لا تغادر فمه مشتغلاً أو مفكرًا أو سارحًا وكما لو أنها زاد روحه ومخيلته ورأسه، وحيث القهوة المرة تصاحب حواره الذي يعتصف بأفكار كثيرة ومحفزة على الخلق، وحيث السهد الذي يرتسم على ضفاف عينيه ومحجريه وكما لو أنه يقدم من خلالها الخامة المعملية الأولى لخلقه في كل سانحة لقاء بك، هو صعلوك المسرح الأول والحقيقي في المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت، والذي يبحث من خلال قلقه المصاحب لحياته عن قصيدة مسرحية لم تكتب بعد، هو الذي لا يحفل بهندام (الأستذة) الذي ينبغي أن يحتذى به من قبل الطلبة في حضرة التدريس أو التدريب، بل أن بساطة هندامه تشعرك وكما لو أنه أحد طلبة المعهد، بل تشعرك تجاهه باطمئنان غير عادي، فهو صديق حميم للطلبة، كائن لا يستقر جسده على مقعد، دائم التفكير والحركة والتندر. 

 

جو .. يا جو.. 

هي الورطة الكبرى إذن.. 

تعال يا جو.. عاوزك في مشروع..

ربنا يستر..

جلسنا في جانب من مقهى المعهد، واقترح علي ما لم يكن في الحسبان توقعه، أن أكتب نصًا لتخريج دفعة 79 تمثيل وإخراج، وهي المرة الأولى في تاريخ المعهد التي يرشح فيها طالب بالسنة الثالثة لكتابة نص لتخريج دفعة جديدة بالمعهد، حيث لم يحدث ذلك قبل تمامًا، وكانت النصوص التي يتم اختيارها للتخرج غالبًا ما تكون نصوص من سلسلة المسرح العالمي، فكيف لي أنا الصعلوك الصغير المتمرد على مظهره الشارلستوني المبعثر أن يكون كفوءًا لتمثيل هذه الدفعة؟ 

ولكنه أصر على أن أكتب النص بتزكية من أستاذي المفكر أمين العيوطي وبحدس منه في أني كائن ينتمي لبعض ما يتميز به من صعلكة فارطة لا تعرف المؤطر والسائد في المسرح والحياة. 

وكانت هذه التجربة أجمل وأصعب وأهم مخاض مسرحي عشته أثناء دراستي بالمعهد العالي للفنون المسرحية، إذ من خلال هذا المخاض أصبحت أكثر قربًا من حياة أستاذي المبدع الإنسان الخلاق الدكتور سناء شافع ومن معمله البريختي الذي لا ينغلق في تجربته عند حوافه كما يقع في ذلك كثيرون من أساتذة الأكاديميات، علمًا بأنه خريج مسرح بريخت وفرقة برلين إنسامبل، فكانت هذه التجربة لا تقف على النص فقط، إنما تتجاوزه إلى الاشتغال عند منطقة الدراماتورجية في المسرح، خاصة وأن أستاذي يتفرد عن كثير من الأساتذة بدراسته الدراماتورجية في وقت مبكر، بل في وقت لم تكن الدراماتورجية مصطلحًا شائعًا ومستخدمًا في فضائنا المسرحي العربي، خاصة في ستينيات القرن الماضي. 

وبالرغم من أن هذه التجربة تسرقني من المواد الدراسية المقررة علي في السنة الثالثة، إلا أني وجدتها واحدة من أهم التجارب التي سأخرج منها بحصيلة مسرحية ربما تفتح أمامي آفاقًا لم تفتحها بعض المواد التي أتلقاها من خلال دراستي في قسم النقد، بل أنها تجربة تقاطعت مع الكثير من الدراسات النقدية التي استثمرتها في دراساتي النقدية والبحثية فيما بعد.

كانت التجربة مع أستاذي الكبير سناء شافع في اللامستقر، كانت تجربة تتعدد في كل جلسة معه، وكان (مارا ـ صاد) بيتر فايس يتربص تجاوزنا لنصه في كل لحظة عمل ، وكل يوم أجدني أكتب دورًا آخر ليبحث معي أستاذي عن أدوار أخرى غيره ، لأدرك فيما بعد أن أستاذي الدكتور سناء حياته موغلة في أدوار وليس دورًا واحدًا، حياة تشبه زيجاته التسع التي عاش فيها أدوارًا وأدوار ولم يتم اكتشاف العرض المسرحي المقبل. 

أستاذي الدكتور سناء شافع، هو أستاذ التغيير والتحول باستمرار في كل تجربة يخوضها، فبعد أن كان المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت يستقر على النص الواحد لتخريج دفعات التمثيل والإخراج، تغير الحال فيه بعد انضمام الدكتور سناء شافع إلى سلكه الأكاديمي، لتصبح الرؤية مختلفة عما سبق، فمنذ عام 1980 حتى 1983 أشرف على مشروع تخرج جماعي لعدد من الطلبة بعنوان «مسرح الضغوط العالمية وأثرها على المجتمع والإنسان المعاصر»، وكان المشروع عبارة عن مجموعة من المسرحيات المتداخلة في بعضها، ولعل هذه التجربة واحدة من أهم التجارب التي عززت الثقة في نفوس الطلبة المسرحيين ودفعتهم للبحث في مناخات مسرحية عدة لم يعتادوا عليها قبله، كما أن هذه التجربة هي الطريقة المعاصرة في التدريس الأكاديمي التي ينبغي أن تمضي على نهجها أكاديميات ومعاهد المسرح في وطننا العربي، بل ربما هي الطريقة التي تتقاطع فيها الطرق وتشتبك من أجل خلق آخر يتجاوز التعليمية السائدة في أغلب إن لم نقل كل أكاديمياتنا المسرحية في الوطن العربي، لذا يصعب أن تقبل الأكاديميات والمعاهد المسرحية لدينا أستاذ طرق منفتح على آفاق مسرحية عدة كالأستاذ الصعلوك الخلاق الدكتور سناء شافع، لأنه بالنسبة إليها مواجهة للصنمية القاتلة التي اعتادت عليها في التدريس والمنهجية الأكاديميين.  

وأستاذ الصعاليك لا ينسى مريديه، ففي آخر لقاء لي به كان في افتتاح الدورة الحادية عشرة من مهرجان المسرح العربي في جمهورية مصر العربية في الفترة من 10 - 16 يناير 2019، حيث كان أحد المكرمين المصريين الـ 25، فما إن رآني وأنا مغمور بالفرح لتكريمه في الصفوف الأمامية بدار الأوبرا الكبيرة، حتى أقبل نحوي بود لا يضاهى وهو يهتف وسط عناق حميم : يا جو.. فينك ياجو.. ازيك ياجو.. 

كان ذلك بعد عقدين ونيف من الغياب، ولكنه لم ينسَ مريده الصعلوك.

أستاذي وصديقي الجميل المبدع الإنسان، صعلوك المسرح الخلاق، الدكتور سناء شافع، آن لهذا الجسد أن يبحث عن حريته الضالة والمستباحة فيمن تمثلك أستاذًا وصديقًا حميمًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها