النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11930 الإثنين 6 ديسمبر 2021 الموافق غرة جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

لبنى القاسمي.. أول وزيرة في تاريخ الإمارات

رابط مختصر
العدد 11460 الأحد 23 أغسطس 2020 الموافق 4 محرم 1442

 في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة العديد من الأسماء النسائية التي برزت في مختلف مناحي الحياة وأثبتت جدارتها وكفاءتها في جميع المواقع التي شغلتها. لم يكن ذلك إلا ثمرة من ثمار الدعم المتواصل للمرأة الإماراتية منذ بواكير تأسيس الدولة في مطلع سبعينات القرن العشرين على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإخوانه حكام الإمارات السبع، خصوصًا وأنه عــُرف عن الشيخ زايد رحمه الله انتصاره للمرأة ودفاعه عن قضاياها واهتمامه بتمكينها، وهو ما تابعته من بعده سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام /‏ الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية /‏ رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة. كما لا يمكن في السياق نفسه تجاهل امتلاك المرأة الإماراتية نفسها للعزيمة والإصرار والإرادة من أجل الارتقاء بذاتها من خلال خوض برامج التعليم والتدريب المتنوعة المتاحة في الداخل والخارج.

 

الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي

 

وتعد الشيخة لبنى القاسمي إحدى النماذج الوضَّاءة للمرأة الإماراتية بحكم ما انجزته لوطنها خلال مراحل حياتها الدراسية والوظيفية، ناهيك عن مساهمتها في رفع إسم الإمارات عاليا من خلال مشاركاتها المتنوعة والفعالة في المحافل العربية والدولية السياسية والاقتصادية والتجارية والتنموية. توصف الشيخة لبنى في بلدها بالوزيرة الأولى كونها أول امرأة في تاريخ الإمارات تتولى حقيبة وزارية. كان ذلك في 13 أكتوبر عام 2004 حينما عـُهد إليها بتولي حقيبة الاقتصاد والتخطيط فدخلت تاريخ بلادها كأول وزيرة، كما دخلت أيضًا تاريخ الخليج العربي كله كأول وزيرة اقتصاد وتخطيط، وكثالث سيدة تحمل حقيبة وزارية.

كانت تلك نقطة البداية لمسيرة طويلة في الحكومة ستقودها إلى حقائب وزارية أخرى. ففي 17 فبراير عام 2007 نقلت من وزارة الاقتصاد والتخطيط وتم تعيينها على رأس وزارة مستحدثة هي وزارة التجارة الخارجية لتبقى ممسكة بهذه الحقيبة حتى عام 2013، وهو العام الذي كلفت فيه بحمل حقيبة التنمية والتعاون الدولي التي احتفظت بها مذاك وحتى سنة 2016. ففي فبراير من تلك السنة شكل نائب رئيس الدولة /‏ رئيس مجلس الوزراء /‏ حاكم دبي سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم «حكومة المستقبل» التي تضمنت لأول مرة وزارة معنية بالتسامح وما يندرج تحته من قيم إنسانية نبيلة، فتولت الشيخة لبنى منصب وزيرة دولة للتسامح. وقتها وصفت الشيخة لبنى هذه الخطوة، التي لم يسبق لأي دولة الإقدام عليها قبل الإمارات، بأنها منسجمة مع سياسة دولة الإمارات التي باتت نموذجا للتسامح وتقبل الآخر منذ تأسيسها. وفي أكتوبر 2017 خرجت لبنى من الحكومة وحل محلها الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان كوزير للتسامح والتعايش. 

قد يقول البعض غير المطلع على سيرتها أنها لم تكن لتحقق ما حققته من صعود وظيفي لولا أنها إحدى بنات الأسرة الحاكمة في إمارة الشارقة. وقد يصنفها البعض الآخر الجاهل ضمن من ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب. وهذه الأقول والمزاعم مردود عليها بطبيعة الحال. إذ يكفي المرء أن يلقي نظرة سريعة على سيرتها الذاتية المنشورة ليكتشف كم أنها تعبت وتغربت من أجل التحصيل العلمي، وكيف أنها بدأت حياتها الوظيفية بمناصب صغيرة تدرجت فيها باجتهادها ومثابرتها خطوة خطوة إلى أن امتلكت الخبرات وراكمت التجارب التي زكتها لتولي المناصب الحكومية العليا ضمن أعضاء مجلس الوزراء الإتحادي بقيادة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

ولدت الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي في الرابع من فبراير 1962 في الشارقة إبنة لوالدها الشيخ خالد بن سلطان القاسمي، وحفيدة للشيخ سلطان الثاني بن صقر بن خالد بن سلطان بن صقر بن راشد بن مطر بن رحمة بن مطر القاسمي الذي حكم الشارقة من عام 1924 وحتى تاريخ وفاته في بريطانيا سنة1951 م، والذي عـُرف بـ «رائد الحركة الأدبية والثقافية» في زمنه وكان واحدًا ممن اهتموا ببناء الفكر الجديد ومحاربة الجهل ونشر المعرفة وتشجيع الأعمال الأدبية والفكرية، كما يرجع إليه فضل تأسيس المكتبة القاسمية في الثلاثينات وإعادة فتح مدرسة الإصلاح القاسمية وتشجيع تعليم البنات والأخذ بأساليب الحياة الحديثة. وهكذا فإن الأخير هو جدها، والشيخ صقر بن سلطان القاسمي (توفي عام 1993) الذي حكم الشارقة من عام 21 مايو 1951 وحتى تاريخ نفي الانجليز له الى مصر في 24 يونيو 1965 بسبب سياساته القومية الناصرية هو أخو والدها غير الشقيق، وكل من حاكم الشارقة السابق الشيخ خالد بن محمد القاسمي الذي تولى السلطة في 24 يونيو 1965 وحتى تاريخ مقتله في 24 يناير 1972، وحاكم الشارقة الحالي سمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي هما ولدا عم والدها، أي بعكس ما هو متداول في بعض المواقع الإلكترونية من أن سمو الشيخ سلطان هو عمها.

 

الشيخة لبنى مشاركة في حفل إستقبال العيد الوطني بسفارة البحرين في أبوظبي

 

نشأت لبنى وترعرت في مسقط رأسها بالشارقة. وحينما التحقت بمدرسة الزهراء الثانوية لإتمام تعليمها الثانوي اختارت المسار العلمي لشغفها بالعلوم. وفي عام 1975م تخرجت من مدرستها الثانوية بتفوق مشهود. إذ حققت المركز التاسع على مستوى دولة الإمارات. خطوتها التالية تمثلت بالسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي التحقت فيها بجامعة تشيكو بولاية كاليفورنيا (CSUChico) لدراسة علوم الكمبيوتر لتتخرج في العام 1981 حاملة درجة البكالوريوس في هذ المجال التقني. 

بعد عودتها من رحلتها التعليمية إلى الولايات المتحدة شغلت منصب مديرة فرع دبي في الهيئة العامة للمعلومات، ثم عملت لمدة سبع سنوات متواصلة في سلطة موانيء دبي والمنطقة الحرة لجبل علي في منصب مديرة نظم المعلومات، فكانت قادرة على التميز عن بقية زملائها وزميلاتها مما جعلها تفوز بجائزة الموظف الحكومي المتميز في عام 1999. وخلال هذه السنوات السبع نجحت وهي على رأس العمل في نيل درجة الماجستير في الإدارة التنفيذية من جامعة الشارقة الأمريكية في عام 2002، علمًا بأنها في سنة 2001 ترأست الفريق التنفيذي لحكومة دبي الإلكترونية، المسؤول عن مبادرات حكومة دبي الإلكترونية، والمعني بتطوير وتنظيم مبادرات الحكومة الإلكترونية في مختلف هيئات ومؤسسات القطاع العام، كما تولت في الفترة ذاتها أول منصب قيادي فعلي وذلك حينما تمّ تعيينها مديرة تنفيذية لشركة السوق الالكتروني (تجاري دوت كوم) بدعم من سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، علما بأنها في هذا المنصب تمكنت من تطوير نظام لخفض أوقات تسليم البضائع في مطار دبي، الأمر الذي جعل شركة السوق الالكتروني تحصل على جائزة أفضل مزود محتوى إلكتروني في التجارة الالكترونية وواحدة من أفضل الشركات في إمارة دبي. ومن الجدير بالذكر في سياق الإشارة إلى المناصب التي تولتها أنها تولت أيضًا في الفترة ما بين عامي 2014 و2018 رئاسة جامعة زايد، المؤسسة التعليمية الوطنية الرائدة على مستوى الدولة، ورئاسة لجنة الإمارات للمساعدات الإنسانية، ناهيك عن أنها عملت في منصب رئيسة هيئة الأوراق المالية والسلع في الإمارات في الفترة ما بين عامي 2004 و 2008.

 

الشيخة لبنى مع بابا الفاتيكان في روما عام 2016 ناقلة لغبطته دعوة لزيارة الإمارات 

 

وما بين هذا المنصب وذاك كانت لبنى من ضمن السيدات الناشطات في مجال تمكين المرأة الإماراتية والدفاع عن قضاياها، فقد مثلت بلدها في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يعقد كل سنة. وحضرت وناقشت في المنتديات التي عقدت في كل من نيويورك ودافوس، وتحدثت في الجلسات النقاشية عن هموم وشؤون بنات جنسها، وترأست العديد منها. ومن جانب آخر، وبسبب علمها ونشاطها ودأبها وحماسها وحضورها القوي في المشهد العام حظيت بعضوية العديد من الهيئات والمجالس. فعلى سبيل المثال شغلت منصب عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة دبي، ومجلس أمناء كلية دبي الجامعية للإدارة العامة، ومجلس أمناء كلية الجودة الإلكترونية الشاملة، ومجلس أمناء كلية ثندربيرد، ومجلس أمناء كلية الدراسات العليا للإدارة الدولية بمدينة فينكس بولاية أريزونا الأمريكية، ومجلس أمناء جامعة زايد، ومجلس حوكمة كلية لي كوان يو للسياسة العامة بجامعة سنغافورة الوطنية، ومجلس إدارة مؤسسة الإمارات للشباب، ومجلس إدارة مؤسسة الإمارات للطاقة النووية.

ولهذا كله لم يكن مستغربًا حصولها على عدد من شهادات الدكتوراه الفخرية. فهي تحمل اليوم درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم من جامعة تشيكو الأمريكية، والدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة إكستر البريطانية، والدكتوراه الفخرية في الدراسات الأجنبية من جامعة هانكوك الكورية الجنوبية، والدكتوراه الفخرية في الآداب الإنسانية من الجامعة اللبنانية الأمريكية ببيروت.

 

الشيخة لبنى مع الشيخ منصور بن زايد 
في حفل تكريمها بجامعة زايد سنة 2017م

 

وبالمثل لم يكن مستغربًا حصولها في الوقت نفسه على عدد من التقديرات تكريما لدورها في المجال السياسي وفي مجالي التميز والابتكار. وقد تمثل ذلك في حصولها على جائزة ITP للإنجازات الشخصية عام 2000، وحصولها في العام 2013 على المرتبة السبعين من قبل مجلة أرابيان بزنس ضمن أقوى النساء العربيات، وتصنيفها من قبل مجلة فوربس العالمية في العام 2017 في المرتبة السادسة والثلاثين ضمن أقوى نساء العام، وحصولها في العام 2003 على جائزة القمة العالمية لموقع «تجاري ــ كوم»، ونيلها لقب «عقيد كنتاكي» الفخري في سنة 2003، ونيلها وسام «السيدة القائدة» لرتبة الامبراطورية البريطانية سنة 2013. إلى ذلك نالت لقب سفيرة للنوايا الحسنة عام 2003، وجائزة الأعمال الأمريكية لعام 2004.

في العديد من التصريحات التي سجلت عنها، وفي العديد من المحاضرات التي ألقتها في المنتديات والمؤتمرات كان القاسم المشترك دومًا هو افتخارها بما وصلت إليه المرأة الإماراتية، ودفاعها عن قضاياها المختلفة والإشادة بانجازاتها. فعلى سبيل المثال اللاحصري قالت في كلمتها خلال حضورها «ملتقى المرأة في قطاع التكنولوجيا»الذي نظمه مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار في 18 فبراير 2020: «اليوم عندما نتحدث خلال ملتقى المرأة في قطاع التكنولوجيا عن دورها في الابتكار وإلى أي مرحلة وصلت إليها في هذا المجال، نجد أن ذلك كله يعتمد بالأساس على اهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة بموضوع تعليم المرأة، حيث كانت الأولوية الأولى إنشاء المدارس والجامعات للفتيات وهو بحد ذاته نقلة نوعية في تمكين دورها»، مضيفة أن «المرأة أصبح لها دور بارز في السياسة حيث تشغل اليوم ما نسبته 50 % من أعضاء المجلس الوطني وهذا يعد إنجازًا للدولة، وعلى حين كانت هناك وزيرة واحدة في عام 2004 نجد اليوم 9 وزيرات لتصل نسبتهن في مجلس الوزراء إلى 29 بالمئة، وهو ما يعكس تركيز الدولة على الشباب ضمن أجندتها المستقبلية، مختتمة كلمتها بقولها أنها لا تؤمن بالمثل الذي يقول (السماء حدودنا) لأن المرأة وصلت إلى الفضاء وإلى مجالات أخرى كثيرة».

 

الشيخة لبنى أثناء تكريمها من قبل
 مؤسسة دبي للمرأة سنة 2010م

 

ومن جهة أخرى، فإن الشيخة لبنى أكدت دائمًا حرصها على مبادئ التسامح وضرورة غرسها في عقول وقلوب النشء الجديد إنطلاقا من سياسات دولة الإمارات سواء أثناء توليها وزارة الدولة للتسامح أو بعده. ففي فعاليات مؤتمر الأزهر العالمي لتجديد الخطاب الديني الذي عقد في العاصمة المصرية في يناير 2020 بمشاركة مجالس إسلامية من 46 قطرًا خاطبت الحضور بقولها أنها أسست مجلسا لتحقيق التوازن بين الجنسين وتقليص الفجوة بينهما وتعزيز دور دولة الإمارات في مؤشرات التنافسية العالمية والتوازن بين الجنسين لجهة صناعة القرار، وأضافت أن المرأة الإماراتية تتمتع اليوم بمطلق الحرية في السكن والأحوال الشخصية، وأن الإمارات باتت نموذجا لمجتمع مسلم منفتح يسعى لتعزيز التعايش المشترك بين مختلف الأطياف والعقائد والملل والنحل.

وكانت الشيخة لبنى قد ذكرت شيئًا من ذلك في مقابلة تلفزيونية أجريت معها على هامش «منتدى القدوة» في الإمارات سنة 2017 حيث أكدت على ضرورة إعادة الإعمار الفكري للأجيال الجديدة من خلات عمل مؤسساتي واضح من أجل تحصينهم ضد خطاب الكراهية والتطرف والعنف والمؤثرات الخارجية الزائفة وغرس قيم الحداثة والوسطية وتعاليم الآباء والأجداد المجيدة ذات الصلة بالتماسك الأسري والاعتزاز بالهوية الوطنية.

 

الشيخة لبنى مع سحر نصر
 وزيرة التعاون الدولي في مصر سنة 2015م

 

أما عن المساواة بين الجنسين فقد قالت لمجلة آفاق (العد الرابع سنة 2012) إن الأمر بات غير قابل للنقاش لأن قضية المساواة بين الرجل والمرأة في الإمارات باتت أمرًا تقليديًا تخطيناه، والتأخر الذي تعاني منه بعض الدول العربية في قضية المساواة يعود لخلل في فهم تعاليم ديننا الاسلامي الحنيف، وهو ناجم عن عادات اجتماعية ليس إلا لأن الإسلام لم يفرق بين الرجل والمرأة إلا في حالات محددة تحفظ للمرأة مكانتها، فيما أتاح لها حرية العمل والاتجار والمقاضاة لأنها جزء مكمل للرجل.

وأخيرًا فإن المناصب والمسؤوليات السابق ذكرها لم تمنع الشيخة لبنى من الاهتمام والانشغال ببعض الهوايات. فإلى جانب هواية القراءة التي عشقتها منذ نعومة أظافرها، عــُرف عنها شغفها بمتابعة الموسيقى الأوبرالية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها