النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

لبنان الرمز والنموذج

رابط مختصر
العدد 11459 السبت 22 أغسطس 2020 الموافق 3 محرم 1442

كانت بيروت في مخيالنا رمزًا عربيًا كبيرًا للتقدم والتطور والأخذ بناصية العلم والحضارة، وكانت هي النموذج الذي يجب أن تحتذي به الدول العربية بدءًا من ستينات القرن الماضي، وهي فوق ذلك كانت نموذجًا حضاريًا متطورًا في ميدان الفكر والثقافة والفنون، كما كانت نموذجًا اقتصاديًا متألقًا في الوطن العربي والشرق الأوسط. وكان هذا الازدهار الاقتصادي هو مثالاً حيًا لبلاد تنهض بكفاءة مواردها البشرية، فالمجتمع اللبناني متعلم ونشط وطموح، وساعد موقع لبنان الإستراتيجي لتكون مركزاً للتجارة العالمية، فتنامت المؤسسات التجارية الحديثة وفرص الإستثمار والخدمات، ما أدى بدوره إلى قدوم الاستثمارات العربية والأجنبية، فكان كل هذا الإزدهار يعد اللبنانيين بمستقبل اقتصادي واعد، وعلى نموذج لبنان وهديه حاولت بعض البلدان العربية حذوه ونجحت بالفعل. 

في الجانب السياسي، كان لبنان نموذجًا بارزًا للديمقراطية الناجحة التحديثية، حيث كان يتمتع مواطنوها بمساحة من الحريات السياسية والانفتاح الحضاري العام، مما حدى بالكثير من الطلائع العربية والهاربين من دكتاتوريات بلدانهم للعيش فيها حيث مناخ الحرية والانفتاح، فكانت بحق أكثر البلدان العربية تقدمًا، وعزز هذا التقدم شعبٌ نشطٌ لمّاح وفطن وجريء وطموح ارتاد طيفًا واسعًا من المشاريع الاقتصادية الناجحة، وكانت لبنان في طريقها لأن تنمو وتزدهر أكثر في هذا المناخ السياسي الصحي الذي كانت الطلائع العربية تتمناه لبلدانها. 

هذا غيض من فيض لبنان وسماته المتميزة، وفوق ذلك كان لبنان يجسّد الطموح والمثال العربي الذي كنّا نتطلع إليه بإعجاب، وهو أملنا العربي القادم الذي كنّا نحلم به في شبابنا في الستينات وبداية السبعينات، حيث كانت الثقافة تزدهر في بيروت ازدهارًا ملفتًا، فهنا في بيروت عاصمة لبنان، كانت تُصدر أهم المجلات العربية في الثقافة والأدب والفنون، كما كان ينشط فيها المسرح والموسيقى والغناء، ويكفي أن نذكر فيروز الإسطورة الغنائية العربية والرحابنة أسياد الموسيقى، وفرقة كركلا، وأسياد الغناء العرب الذين أحببناهم. 

ولا تنسى الطلائع العربية النيّرة أن في لبنان تشكّلت النواة المبكرة لدعوة القومية العربية التي هي مصدر إنتماءنا جميعًا، فهنا تأسست حركة القوميين العرب، أوسع الأحزاب العربية التقدمية وأكثرها انتشارًا وتأثيرًا، فقد أسست الحركة أحزابًا قومية وطنية لعبت دورًا كبيرًا في التحرر من الاستعمار البريطاني في الخليج، حيث كانت الحركة نشطة وفاعلة في البحرين والكويت. وهذه الحركة ضمناً كانت تدعو للوحدة العربية، واستعادة الأراضي السليبة والتحرر من الهيمنة الأجنبية، فلبنان هو الذي أسس وعيًا قوميًا متقدمًا في البلاد العربية، كما أسس الحداثة في الثقافة وخصوصًا منها الشعر. 

والبلدان المتقدمة تكون قدوة دائمًا للبلاد الأقل تقدمًا، وهكذا كانت لبنان النموذج الأرقى للتقدم والازدهار، لكن، انظروا معي اليوم حجم الدمار الذي أصاب لبنان وبيروت العاصمة، والذي قضى على كل هذه الإنجازات الكبيرة والكثيرة التي ذكرتها، وكل هذا الدمار تم على يد طبقة سياسية فاسدة لا تملك مشروعًا حداثيًا ناجحًا، ولا تضع مصلحة لبنان في الأولوية والمقدمة فهي قوى مسيّرة من الخارج، وهذه القوى شكّلت بيئة طاردة للاستثمارات العربية والإجنبية، كما عرّضت لبنان للحصار الاقتصادي الذي أعاد لبنان إلى نقطة الصفر. وأصبحت هذه البلاد الجميلة حطامًا وخرابًا وانقاضًا بعد أن تم فصلها عن محيطها العربي الطبيعي، وبعيدة عن العصر، وبعيدة عن الحياة الرغيدة الجميلة التي تميزت بها بيروت، وبعيدة عن التآلف الوطني، والعيش المشترك بين أطياف ومكونات المجتمع اللبناني. وبعض آثار الدمار الذي زرعته طبقة سياسية فاسدة عدة عقود، اقتصاد منهار، هجرات واسعة للبنانيين إلى البلا العربية والأجنبية بحثًا عن مورد رزق، فقر وبطالة، وانقسام طائفي، فساد شامل مالي وإداري، لم تنجو منه مؤسسة واحدة في الدولة بما فيه القضاء، ضمور للثقافة، والكارثة الأخيرة، التي كشفت حجم الفساد الإداري والمالي، وحجم الهيمنة الأجنبية، وحجم المأساة الملهاة في بلاد أصبحت منكوبة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها