النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11526 الأربعاء 28 أكتوبر 2020 الموافق 11 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:24AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    4:59PM
  • العشاء
    6:29PM

كتاب الايام

الواقع والخيال

رابط مختصر
العدد 11459 السبت 22 أغسطس 2020 الموافق 3 محرم 1442

العديد من الزملاء أرسلوا لي رسائل ونشروا على تويتر آراءهم المعارضة لتطبيع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. وقد استغربت قيامهم بذلك رغم علمي أن معظمهم رجال أعمال ناجحون وعمليون يدركون جيدًا أن الحقيقة والوقائع شيء والخيال والأمنيات شيء آخر.

أنا مع القضية الفلسطينية، ومع حق الشعب الفلسطيني العيش بسلام، وضد ما تقوم به إسرائيل من احتلال لأراضي عربية وإعاقة إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة في إطار ما يسمى بـ «حل الدولتين»، أما حالة اللاحرب واللاسلم السائدة منذ عقود بين العرب وإسرائيل فقد استنزفت مقدراتنا ولم تجلب لنا سوى المزيد من الفقر وضياع البوصلة، وآن لنا أن نضع حدًّا لها.

السياسة فن الواقع والممكن، و«تدوير الزوايا» ضروري للخروج من حالات الاستعصاء المزمنة، والمرونة ضرورية لتكمل الأمم حياتها، خاصة بعد أن ثبت أن التصلب و«تكاسر الإرادات» لم ولن يفضي إلى نتيجة، وما أشطرنا نحن العرب في إطالة أمد النزاع. ألم تراق دماء عربية كثيرة لمدة أربعين عامًا من أجل فَرسين اثنين هما «داحس والغبراء»، وقبيلتين هما «عبس وذبيان»؟ ألم يتصارع نظام البعث في كل من سوريا والعراق لأكثر من عشرين عاما؟ ثم ماذا كانت النتيجة؟ خسارة الكثير من الفرص والموارد لا لشيء سوى التشبث بالرأي والتعنت بالمواقف.

هل احتاج إلى كثير من الجرأة لأقول إن إسرائيل باتت أمرا واقعا بالفعل؟ هل تنفع الآن شعارات ستينيات القرن الماضي حول «إلقاء اليهود في البحر»؟ هل يمكن بالفعل تنظيم جهد عربي جماعي حقيقي تهابه إسرائيل؟ هل حالة الاحتقان والاحتقار والنقمة لدى الجماهير العربية العريضة تجاه إسرائيل وأغنية «وين الملايين» ستفضي يومًا ما إلى تحرير القدس؟

علينا الآن أن نكون أكثر واقعية، وأن نكف عن جلد ذاتنا، ونتصالح مع أنفسنا أولا، ومع الوقائع من حولنا ثانيا، وأن نقبل بالحقائق كما هي على الأرض، لا كما نريد ونتمنى، وأن ندرك أن علاقتنا مع إسرائيل لم تعد كما كانت عليه في العام 1948 أو 1967 أو 1973، عندما كانت «علاقة صفرية»، أي أن طرف ما سيقوم بإلغاء الطرف الآخر والقضاء عليه، فلا إسرائيل ستستطيع إلغاء العرب، وليس لعاقل بالمقابل أن يتصور أن العرب سيلغون إسرائيل، على المدى المنظور على الأقل.

الانفتاح على إسرائيل ليس خطرًا على العرب لسبب بسيط وواضح، وهو أنه لا يمكن لثمانية ملايين إسرائيلي أن يحتلوا 350 مليون عربي، بل أكاد أقول إن هذا الانفتاح ربما يكون خطرًا على اليهود أنفسهم من أن يذوبوا في محيطهم العربي، ويصبحون أقلية كباقي الأديان والطوائف والأعراق التي تسكن هذه المنطقة التي يغلب عليها العنصر العربي المسلم.

عندما احتلت إسرائيل سيناء في العام 1967 لم أصدق مشاهد الطائرات المصرية مدمرة في مطاراتها، وقلت للناس من حولي إنها مشاهد مفبركة، لكني كنت مخطئا. بعدها فكرت: هل يجب أن نخاف على القاهرة مثلا من إسرائيل وفيها حي شعبي مثل «بولاق» يفوق عدد سكانه من المصريين مجموع الإسرائيليين كاملا؟. ثم كان الحل بالحرب التي أعقبها سلام أعاد لمصر أرضها وحقوقها، فلماذا نتأخر اليوم في سلام أدركنا أنه آتٍ لا محالة؟

لا أحب إسرائيل، واعتقد أنها سبب كثير من مشاكلنا كأمة عربية خلال العقود الأخيرة، وليس مطلوبا منا أن نحب إسرائيل، وأحب فلسطين، ولي جذور فيها، لكن بالمقابل ليس من الضروري أن أحب كل الأشخاص الذين أعمل معهم بل وأحتك معهم بشكل يومي، هنا تتحول العلاقة الوظيفية إلى منفعة متبادلة، وهذا هو الأساس الذي بنى عليه الغرب حضارته. وحدنا نحن العرب نربط العاطفة بالدين بالغيبيات بالهواجس بالعمل بالتصرف، فينتج خليط يجعلنا ندور في حلقة مفرغة مفتاحها عند اعدائنا. 

لقد كسرت الولايات المتحدة اليابان في الحرب العالمية الثانية بطريقة بربرية لم يشهد التاريخ لها مثيلا عندما قصفت مدينتي هيروشيما وناكازاكي بالسلاح النووي، لكن ماذا فعلت اليابان بعد ذلك؟ قررت الدخول في صلح مع أعدائها، واستفادت منهم ومن تقدمهم وباتت ثالث أقوى اقتصاد عالميا، بالمقابل انتصرت فيتنام وكوبا على أمريكيا، لكنه نصر أقسى من الهزيمة، حيث يغرق الناس هناك حتى الآن بالأوبئة والجوع والفقر المدقع.

إن الانفتاح على إسرائيل فرصة أمامنا لتعلم المزيد من الدروس، دروس حول كيف يمكن استعطاف العالم وابتزازه في وقت واحد من أجل الحصول على دعم، وكيف يمكن للعلم أن يصنع دولة، كيف يمكن لشركات برمجيات أن تبني اقتصاد، وكيف يمكن تحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي في بقعة جغرافية قاحلة، وكيف يمكن بناء أجهزة دولة متطورة في مجالات الاستخبارات والعسكرة والخدمة المدنية وغيرها.

ثم ماذا جلب لنا من يدعون عزمهم تحرير القدس؟ الأتراك والإيرانيون وحزب الله والحوثيون وغيرهم؟ ماذا جلب لنا الحكام العرب مثل صدام حسين وحافظ الأسد والقذافي وعلي عبد الله صالح الذين استنزفوا مقدرات شعوبهم وفرضوا أقصى أشكال الاستبداد بذريعة الاستعداد للمعركة مع إسرائيل، هذه المعركة التي لم تأتِ أبدا.

إن قراءة واقعية للأوضاع الراهنة تؤكد أن الإمارات على صواب بفتحها باب التطبيع مع إسرائيل، وما علينا فعله الآن هو تقوية أنفسنا كعرب، والنهوض باقتصادنا، وتنمية مواردنا، وتطوير مدارسنا وجامعاتنا، هذه هي الطريقة المثلى لتعزيز مناعة أجسام دولنا، والتعامل بندِّية مع حلفائنا، ومقارعة أعدائنا، والدفاع عن هويتنا ومستقبلنا.

 

*رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسِفِن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها