النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

هذه المرأة ليست منا...

رابط مختصر
العدد 11458 الجمعة 21 أغسطس 2020 الموافق 2 محرم 1442

 غريب ما نشاهده هنا وهناك من مظاهر الاستخفاف بمبدأ الحق في الاختلاف بين البشر في أعراقهم وأجناسهم ومعتقداتهم، وما نلاحظه من تعامل دوني مع حقوق الإنسان ومن تعدٍ صارخ على معتقدات الناس في غير مكان من هذا العالم الصغير جدا. أصف العالم بالصغير بسبب الثورة الاتصالية التي حولت الكرة الأرضية إلى قرية صغيرة سرعة رغم جغرافيته المترامية الأطراف وتضاريسه المتشعبة وعدد سكانه الذي يقترب مسرعًا من الثمانية مليار نسمة كل بلد ومجموعة بشرية في هذا الرقم لها معتقداتها ومقدساتها.

 الغريب، أيضًا، ألا يُحدِثَ ما يأتيه بعضهم من تجاوزات واعتداء على حقوق الغير ردود الفعل الغاضبة المناسبة، وألّا يثير لدى أفراد المجتمع الاستهجان والامتعاض اللازمين قبل أن تتخذ المؤسسات العقابية فيه إجراءاتها وتنفذ قوانينها وتشريعاتها العادلة. سر استغرابي كامن في أني أرى في ردود أفعال المواطنين على مختلف التجاوزات وخاصة منها تلك التي تمس مبادئ الحق في الاختلاف وحرية الضمير «ترمومترا» يقيس درجة تشبع المجتمع بقيم المواطنة الحقة ومبادئها الحقوقية في أبعادها الكونية والشاملة. أقول هذا خاصة وأن دول العالم، وبفضل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، قد باتت على أبواب التماهي الكلي لمجتمعاتها الإنسانية رغم تعددها لولا اختلاف العادات والتقاليد وتميز كل أمة أو جماعة بشرية عن غيرها بعقائدها العبادية وطقوسها الدينية، ولعل هذا يحسب أساسا على انفتاح العالم على بعضه بعضا، وعلى ارتفاع منسوب التعلم والثقافة في سائر أصقاع الكرة الأرضية، مما يعني أن احترام الديانات والعقائد وعادات الشعوب وتقاليدها أمر ضروري؛ لأنه من أسباب الوئام والسلام العالميين. 

 لا غرابة في أن تنتشر الأخبار والوقائع مهما كانت صفتها عبر وسائط اتصال جعلت كل إنسان مزود بهاتف ذكي ومرتبط بالأنترنت وكالة أنباء قائمة بذاتها، وضمن هذا الإطار لا غرابة إذا ما طاف فيديو المرأتين اللتين اعتديتا على محل تجاري وهشمتا رموزًا دينية بوذية ليقدم للعالم صورة مشوهة عن المجتمع البحريني نعرف جميعًا أن لا صلة لها بالواقع البحريني وتحديدًا بقيم المجتمع البحريني المتسامح المؤمن بالتنوع والحق في الاختلاف إيمان جعله يجعل حرية الضمير مبدأ أساسيًا من مبادئ الميثاق الوطني. 

 ففي الوقت الذي تُنشئ دول العالم فيما بينها شراكات استراتيجية وتقيم تحالفات مع شركاتها الكبرى، بغض النظر عما تدين به هذه الدولة أو تلك، أكانت دولة مسلمة أم بوذية أم مسيحية أم هندوسية، أم لادينية، للوصول إلى لقاحات مؤزرة بالنجاح لإخراج المجتمعات الإنسانية من ورطتها الكبرى مع جائحة فيروس كورونا التي تعصف بالمجتمعات الإنسانية وتكاد تشل حركتها وتوقف تقدمها، فإننا، تابعنا على وسائل التواصل الاجتماعي باستغراب ودهشة «فيديو» تلك الامرأتان وهما تحقران ديانة هي من أقدم ديانات العالم، ديانة يعتنقها أكثر من مليار إنسان. سابقة سارع الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة مستشار جلالة الملك كعادته في التفاعل مع القضايا المجتمعية بكتابة تغريدة حولها قال فيها إن: «تكسير الرموز الدينية ليس من طبع أهل البحرين. وهي جريمة تنم عن كراهية دخيلة مرفوضة. فهنا تعاقبت تعايشت كل الأديان والطوائف والشعوب. ومن قام بها ليس منا». هذه التغريدة بجلائها وإحاطتها التاريخية والاجتماعية كفيلة بتوضيح رأي أهل البحرين وموقفهم من هذه الجريمة النكراء.

 الفيديو الذي وثق الحادثة لم يحمل كرها لملة من الملل التي يعتنقها أكثر من مليار نسمة فحسب، وإنما حمل معه سوء أدب في مخاطبة الآخرين، وعدم وعي بموقف الدولة ممثلة في ملكها العظيم جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة الذي خص الديانات والمعتقدات وكافة حقوق الإنسان بالرعاية والحماية عبر إنشاء هيئات ومؤسسات وأنظمة وقوانين وتشريعات تحفظ هذه الحقوق وترعاها. لقد لاحظ من شاهد الفيديو المتداول كيف تعاملت المرأة مع البائع الآسيوي، الذي يبدو وكأنه من الجالية الهندية، وكيف وجه هذا البائع صفعة حضارية للمتعدية بتساميه الأخلاقي في موقف عصيب وباحتفاظه برباطة جأشه وعدم إطلاقه كلمة واحدة تجرح شعور المعتدية عليه أو تخدش عقيدتها. المقابلة بين البائع والمعتدية جلية وتكشف في هذه المرأة غرابتها عن المجتمع البحريني وقيمه، إذ كانت فعلا نموذجا صارخا للكراهية والجهل المقدس والتعصب والتطرف الذي لا صلة له بالبحريني المتسامح المنفتح على الآخر الطيب الرصين الذي يحترم معتقدات غيره احتراما يجعلنا نصف ما أتته هذه المرأة المجرمة بأنه فعل فج، ذميم، جاهلي، غير إنساني، ضد ملة من الملل التي لها حضور في البحرين قديم. 

 مجتمعنا البحريني المتحاب والمعروف بسيرته التاريخية بين الأمم أنه مجتمع لفرط تسامحه مجبول على قبول التعايش مع الآخر والانصهار معه مشكلاً فسيفساء في غاية الجمال يُطلق عليها مملكة البحرين، التسامح قيمة بحرينية أصيلة والتعصب في عرفنا البحريني جريمة؛ لأن فيه إساءة لمقوم من مقومات هوية المواطن البحريني ضارب في أعماق التاريخ.

 هذه الحادثة لا ينبغي أن تمر مرور الكرام. صحيح أن وزارة الداخلية قامت بواجبها كما هو منتظر منها دائما، وحولت إلى النيابة المرأتين لتنفيد القوانين المرتبطة بهذا الخصوص، إلا أن السؤال الذي يبقى شاخصا هو: هل هذه الواقعة فريدة ولن تتكرر في مواقع أخرى؟ من يضمن أن هناك من لا يحرض على فعل مثل هذا العمل، فنحن في زمن رديء تسيس فيه كل الأشياء. فينبغي علينا أن تبقى أعيننا مفتوحة، وأن نراقب الوضع بدقة؛ لأن العبث بالمعتقدات لا يضاهيه عبث آخر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها