النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11524 الإثنين 26 أكتوبر 2020 الموافق 9 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

السبب والمستفيد والمنفذ 3-3

رابط مختصر
العدد 11457 الخميس 20 أغسطس 2020 الموافق غرة محرم 1442

يقودنا كل ما تقدم نحو المصباح الذي يرشنا نحو الحقيقة التي تكشف من هي الجهة التي لها مصلحة حقيقية في تفجير مرفأ بيروت بالطريقة التي تم تنفيذها بها، وحجم الدمار الذي تسببت فيه. 

السؤال المحوري الذي يبحث عن الإجابة الصحيحة هو: من هي الجهة المستفيدة الحقيقية، والأساسية المستفيدة من وراء ذلك التفجير؟ أي لمصلحة قام من قام بتنفيذ ذلك التفجير؟ هنا تتضاءل مسؤولية المنفذ، دون إعفائه كلية، لصالح المكاسب التي سوف تجنيها الجهة المستفيدة. 

من الضرورة بمكان التأكيد هنا على أنه مهما كانت الدوافع التي أغرت أو حتى أرغمت المنفذ القيام بما قام به، فهو نهاية الأمر يتحمل جزءًا من المسؤولية، التي يجب على من يبحث عن الحقيقة أن يضعها في الحيز الصحيح الذي تشغله، مقارنة بمساحة المسؤولية التي يتحملها المستفيد، الذي ينبغي أن يحتل هو المكانة الأعلى في درجات سلم تحمل المسؤوليات.

الخطوة الأول، إذا، على طريق التحري عن من سيتحمل المسؤولية ينبغي أن تتجه نحو معرفة من هو المستفيد الأول عن أية عملية، بما فيها عملية التفجير الأخيرة في مرفأ لبنان. فهذا يرشد الباحث عبر طرق أقصر زمنا، وأقل كلفة، وفي الاتجاه الصحيح من جانب، وتحرسه من إلقاء التهم جزافًا على جهات ربما تكون بريئة، أو السير في الطريق الخاطئة والمضللة من جانب آخر. 

وكي يكون المهج شاملاً ومترابطًا في آن، فلا بد من جرد أسماء جميع الجهات التي لها مصلحة مباشرة، أو غير مباشرة في تنفيذ العملية. ومن الخطأ الفاحش هنا استثناء أي من الأسماء المحتملة، تحت أي مبرر كان. فلربما يكون الفاعل متدثرا بأغطية سميكة، تحول دون ورود اسمه في المراحل المبكرة من التحقيق في هوية مرتكب الجريمة.

كما ينبغي أيضًا حصر عناصر المصالح المباشرة وغير المباشرة، بشكل موضوعي سليم، التي تضع جهة ما دون غيرها في نطاق التهم الموجهة. ويتم وزن كل واحدة منها بعد مقارنتها بثقل عناصر جهات أخرى، كي تتم المقارنة بالموضوعية المطلوبة، وبعيدًا عن تأثيرات أخرى، خارجية كانت تلك العوامل أم داخلية.

وعلى نحو موازٍ لا بد أن تكون هناك القائمة الشاملة التي تحصي الدوافع المتعددة التي تختلف في مظهرها الخارجي، ومن ثم توحي بإسقاطات مضللة تحول دون الوصول إلى حقيقة من نفذ تلك العملية.

والمقصود هنا أنه ربما يكون شكل العملية التخريبية سياسيًا، في حين أهداف المستفيد من ورائها تتمحور حول أهداف اقتصادية، وربما اجتماعية. على سبيل المثال قد يشعل الفاعل فتيل أزمة سياسية، تكون صورتها صدامات، غير مسلحة، بين مكونات العمل السياسي في البلد الضحية، في حين الهدف من ورائها إثارة النعرات الطائفية، وتأجيجها، كي تقود هي الأخرى إلى حروب تجارية.

فالمستفيد لا يأبه لصورة العملية، ولا حتى مراحل تطورها، بقدر ما يركز جل اهتمامه حول النهايات التي سيؤول إليها مصير العملية، والنتائج التي ستتمخض عنها على أرض الواقع. هنا يحرص المنفذ على تمويه الشكل لمصلحة الجوهر، الذي يخدم مصلحة الهدف النهائي.

هنا ينبغي اللفت إلى أنه في العمليات المعقدة، وذات التأثيرات الاستراتيجية في ميادين الصراعات الدولية، بل وحتى الإقليمية، تتداخل الأهداف، وتتفاوت أحجامها، ومن ثم تزداد تعقيدات معالم مظاهرها الخارجية. 

والمقصود بذلك أنه ربما تكون للمنفذ المباشر مصلحة آنية، وذات حجم صغير تضلل الباحث عن الحقيقة، وتحول بينه وبين رؤية ذلك المستفيد الأكبر، وهو الحقيقي المتخفي وراء ذلك المنفذ المباشر، ذو الفائدة الصغيرة الحجم، القصيرة الزمن.

على المستوى ذاته ينبغي تحليل واقع الضحية، فمن غير المستبعد في ساحة الصراعات الكبرى أن تكون الضحية الأولى ليست هي المقصودة النهائية التي يستهدفها المستفيد، بل هي مقدمة نحو ضحية، وربما ضحايا أخرى يصعب الوصول لهم دون تقديم تلك الضحية الأولى. وربما في ظروف معينة نكتشف في مراحل متأخرة من البحث، أن يسبق الهدف الاستراتيجي النهائي أكثر من ضحية، بل وأكثر من هدف يصاحبها.

وعلى طريق البحث عن المستفيد الحقيقي من وراء أية عملية إرهابية، وتحاشيًا لأي انحراف يقود إلى نهايات خادعة، لا بد من دراسة مكونات الوسيلة التي لجأ إليها، أو استخدمها المستفيد من العملية المقصود التحري عنها. 

ففي حالات ليست قليلة يضطر المستفيد إلى التنسيق مع جهة أخرى، لحيازتها على وسيلة تنفيذ غير متوفرة لدى المستفيد النهائي والحقيقي من تنفيذ عملية معينة. ولذا نجد هذا الأخير لا يتورع عن سلوك الطرق الملتوية، وتحمل الأكلاف الباهظة طالما هي قادرة على التنفيذ بالكفاءة المطلوبة، والأداء الذي يحقق الأهداف، الظاهرة منها والباطنة.

وفي عصرنا الحديث لم تعد الوسائل محصورة في نطاق القوى الخشنة، بل ولجت ساحات التنفيذ ما أصبح يعرف باسم «القوة الناعمة»، التي شاع استعمالها في السنوات الأخيرة بفضل التطوير السريع والنوعي في صناعة الاتصالات والمعلومات. وقد شهدنا ذلك مؤخرًا وعلى نطاق واسع، بشكلٍ جليٍ في الحرب التجارية التي ما تزال مشتعلة بين واشنطن وبكين.

والتشديد على ضرورة تقصي الحقائق من خلال معرفة المستفيد، لا تعني إطلاقًا إهمال دور المنفذ الذي يتولى القيام بالعملية، ولا تجاهل حيز الأسباب التي تقف وراءها، فلكل منهما وزنه الذي من الخطأ إغفاله عند عملية البحث عن الحقيقة. لكن ينبغي هنا، حرصًا على التوازن المطلوب في تعيين ثقل كل منها في معادلة البحث تلك.

فمن الخطأ القاتل توزيع النسب بشكل متساوٍ، فمثل هذا المدخل يأخذ صاحبه، شاء أم أبى، نحو نهايات مضللة. بل ربما يفقده القدرة حتى الوصول إلى أي شكل من أشكال النهايات، بسبب توهانه في مداخل طرق مضلله، تضعه في دوامة لا يستطيع الخروج من براثنها.

وختامًا، وما لم يكشف الستار عن المستفيد الحقيقي والاستراتيجي الذي يقف وراء تفجير مرفأ بيروت، سنبقى نقذف التهم جزافا، ونوزع التهم على اللاعبين الصغار، الذين يتخفى وراءهم المستفيد الأكبر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها