النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11555 الخميس 26 نوفمبر 2020 الموافق 11 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:41AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

ما سر الحب لمدينة بيروت؟

رابط مختصر
العدد 11457 الخميس 20 أغسطس 2020 الموافق غرة محرم 1442

«وإن تجد البلد في جثة أخرى، وإن تجد انفجاري في مكان الانفجاري.. أينما وليت وجهك كل شيء قابل للانفجاري». محمود درويش من قصيدة بيروت لا تموت. 

تجذبنا المدن العربية بنكهتها الليلية وعبقها النهاري بأسواقها ومقاهيها، تستهوينا شرفات تلك العواصم ونوافذها المعشقة، فللقاهرة شعوذتها وبخورها وجنونها ومرحها، ولدمشق سحر نوافيرها وزجاجها وجدرانها العتيقة، ولبغداد مقاهيها ومشربياتها فلذاكرة العربي مع تلك المقاهي «وستكانات الشاي» قصص وحكايات، لكن لمدينة بيروت عروسة المدن ونغمها، أغنيات الزمن وموشحاته ودبكاته، روحها المعطرة بأجراس الكنائس ومآذن المساجد، الممتدة اعناقها نحو بحر ينتظر السفن القادمة والعابرة. كل مدينة بحرية لا بد بها مرفأ، وكل مرفأ ينتظر سفنا وبحارة، فتنام المدينة على تلك الأمواج الصاخبة والرطانات المتنوعة من كل العالم، حيث تنسج اللغات لغة انسانية واحدة في مرافئ المغامرين المولعين بسباق الخيول وحضن النساء ولحظات الوداع الحزين كما هي لحظات الاستقبال الفرح في تلك المرافئ. 

تعددت النعوت والأوصاف لمدينة بيروت بكل عواصف الغبار والأدخنة، فقد ظلت تحتفظ برونقها على مدى الزمن كعروس المدن وسويسرا الشرق. بيروت دالية العنب ورائحة الدراق والكرز، هذه الجاذبية لغموض وهج المدينة ومصابيحها هو تلك التعرجات المستلقية على سفوح الجبال والوديان وخرير الماء كنبع الحياة، حين يستريح البصر على «الروشة» ككتلة من الصخر السابحة في الماء، تتربع كافروديت فينيقية تنتظر بحارها المهاجر لعله يعود من «ايثاكا» سندبادها الغائب نحو مدن مقدسة في مرافئ بحور متوسطية بتراتيل مدنسة مقتولة بالإثم والخديعة. 

مدينة بيروت التاريخية تختلف في الذاكرة عن بيروت المعاصرة في قلب الخريطة العربية، فقد تميزت منذ أوائل القرن المنصرم بالحداثة وبكل أشكال التقليعات، فقلبك يسمع وقع تلك الآلات والحروف والكلمات الممنوعة التي تعمل ليلَ نهار في مطابعها، لتضخ الكتب والمجلات والصحف للعالم العربي، فقد منحت هوامش الليبرالية اللبنانية يومذاك للمثقف العربي رئة شاعرية خلاقة يتنفس من خلالها حين يهرب من أنظمة العسف والقمع والمصادرة في بلاده، كنت ترى وتلتقي في مقاهيها شخصيات مثقفة كبيرة شكلت العقل العربي الحديث يومذاك، ومعارضة متلونة جمعت كل الاتجاهات، كنت تلامس في صيفها المنعش بفواكهه الطازجة نخبة من الاثرياء العرب، الذين كانت بيروت «خيمتهم!» قبل أن تكون لندن وباريس، يومها كانت الدار البيضاء وتونس حلمًا بعيدًا، فكانت جغرافية بيروت المفتوحة سر تلك الأهمية العربية المسدودة المترهلة قبل وجع التاريخ في خارطة عربية ممزقة بالألوان. ظلت مصارفها واقتصادها مركزًا عالميًا قبل أن تدرك الدول العربية حقيقة مكانتها، لتكتشف أن هذه المدينة الصغيرة الدافئة بكرمها، بقلبها المالي النابض لعواصم غربية واسيوية. 

كانت بيروت ماكينة اقتصاد سياحي حي في المنطقة العربية وبوابة شرق المتوسط الراقص ومركز مالي بأجنحة نسر يحلق في بورصات لندن وباريس ونيويورك. في أكتوبر عام 1969 قررت مغادرة القاهرة الى أبوظبي، فاقترح عليّ المرحوم الدكتور خليفة بوراشد أن أزور الاسكندرية وأقضي كم يوم معه في شقته، ومن هناك أركب الباخرة الى بيروت ثم أواصل رحلتي بالحافلات حتى الكويت. بدت الفكرة نوعًا من المغامرة لشاب جيوبه يتيمة، فلأول مرة اقطع مسافة طويلة بحرًا وبرًا مع تلك الفنادق والنزل البائسة في بيروت ودمشق وبغداد والبصرة. 

لا أخفي عليكم كم كانت ممتعة الرحلة بالباخرة الى بيروت، أكثر من 8 ساعات مضت بفرح غامر، فعلى سطح الباخرة كنت ترى تجار الشنطة من ليبيا والاسكندرية ذاهبون نحو الفردوس، تلك الوجوه الصحراوية السمراء، الحالمة تثرثر بين أروقة الباخرة وقاعاتها ومقطوراتها، كانت بيروت لهم بمثابة لحظة عناق من السعادة الكبيرة الخفية. حين اقتربت السفينة من مياه المرفأ لترسو، بدت بيوت من سقوف بالقرميد، ببياضها الثلجي وهي في البعيد، مستلقية فوق متن الجبل العنيد باخضراره. داهمني شعور صامت فرح لمدينة بيروت، التي علمتني معنى جمالية المدن الساحلية وانت قادم لها من البحر، فوق سطح باخرة متعبة متثاقلة، كنت تتمنى انك قبطانها لتجوب العالم. حين تعلمك المدينة خطواتك الأولى في الحياة فلابد أنك تعشقها وتتعلق بها كما يتعلق الطفل الوليد بأمه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها