النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

حماقة أردوغان

رابط مختصر
العدد 11456 الأربعاء 19 أغسطس 2020 الموافق 29 ذي الحجة 1441

 أكثر ما يغيظ المرء أن يرى دولة أجنبية تتدخل في شؤون دولة عربية، ومما يضاعف هذا الغيظ أن يوجد في أوساط هذه الدولة العربية من يناصرون الدولة الأجنبية المتدخلة والمعتدية إما على أساس عرقي أو مذهبي أو ديني أو أيديولوجي. وأسطع مثال دال على ذلك دولة الملالي في إيران في تدخلاتها السافرة والكيدية في الدول العربية وخاصة منها الخليجية. وأما المثال الثاني الذي يرتقي إلى مستوى البرهان المؤيد لما ذكرته في مقدمة مقالي فهو ماثل في تركيا التي كانت يومًا ما إمبراطورية وقعت كثير من الدول العربية تحت سيطرتها وسطوتها وجبروتها لأكثر من أربعة قرون لم تورث فيها العرب إلا التخلف والجهل. وقد ارتأيت أن أتحدث في مقالي هذا عن تركيا الحالية، تركيا أردوغان، بعد أن سمح لنفسه بالتدخل السافر في شؤون دولة الإمارات العربية المتحدة التي أعلنت بقرار سيادي إقامة علاقات كاملة مع إسرائيل، وطعنه في وطنية وقومية ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، ابن الزعيم العربي الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة. 

 نهج تركيا السياسي تجاه البلدان العربية منذ بداية ما سُمي «الربيع العربي» وحتى الآن، يمكن تلخيصه في نقطتين محوريتين: الأولى، إعلام متحدٍ في كذبه حد الاستفزاز، رخيص في تعاطيه مع الشأن العربي حد الابتذال، مسلط على مدار الساعة على المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر لخدمة مصالح تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي الذي لم تسلم من دسائسه وعمالته دولة عربية واحدة. هذا الإعلام بمواصفاته التي ذكرت يحاول ما وسعته الحيلة تأليب الرأي العام على حكومات هذه الدول لخلق حالة من عدم الاستقرار في مجتمعات هذه الدول التي كان لحكوماتها موقف مغاير لموقف تركيا الداعم لتنظيم الإخوان المسلمين ولقطر بصفتها الحاضنة الفرعية الخليجية لهذا التنظيم الإرهابي ماليا وإعلاميا وتنظيميا. أما النقطة الثانية، فهي إنشاء الدولة التركية قاعدة عسكرية في قطر تهدد دول مجلس التعاون وتنهب خيرات الشعب القطري تحت ذريعة الحماية من «غزو» خليجي لا وجود له إلا في مخيلة حكام قطر المهووس بمنطق المؤامرة.

 وعلى هذا النهج تمضي تركيا على سكة افتعال كل ما من شأنه توتير العلاقات بين سلطات البلدان العربية وشعوبها، وفي هذا الإطار تأتي الأزمة الجديدة المفتعلة على الحدود التركية العراقية لإشعال حرب هدفها إضعاف العراق المقدر له أن ينهض قوة عربية متحررة من النفوذ الإيراني، وإشغال المنطقة بحرب عبثية هدفها استنزاف مقدرات العراق، ويأتي كذلك التدخل العسكري السافر في ليبيا من خلال شحن ميليشيات تدعمها تركيا بالسلاح، وتندرج كذلك محاولات إيجاد موطئ قدم في لبنان الموجوع من التفجير الزلزالي الأخير في تصيد خسيس لأزمة لبنان الجريح الحالية، ومحاولات المضي قدمًا في تتريك المجتمع الصومالي تعويضًا عن فقد الحالم باستعادة لقب الخليفة العثماني السودان التي اجتث شعبها الرئيس الإخواني الحسن البشير وشرع في تنفيذ خطة تطهير الإدارة السودانية والمجتمع المدني السوداني من بقايا السرطان الإخواني.

 يضاف إلى جملة تدخلات الأتراك هذه في شؤون البلدان العربية، تدخلها الحالي السافر في الشؤون الداخلية لدولة الإمارات العربية المتحدة التي مارست حقًا سياديًا في توسيع خريطة علاقاتها الدولية عندما أعلنت عن الاتفاق مع اسرائيل لإقامة علاقات ثنائية مباشرة، معللة ذلك بـ«أن الإمارات العربية المتحدة ليس لديها سلطة التفاوض مع إسرائيل نيابة عن الفلسطينيين». وكأن العرب قد أجمعوا على أن يعطوا تركيا صكًا على بياض يمنحها أهلية التفاوض مع إسرائيل نيابة عنهم. الموقف التركي تجاه دولة الإمارات العربية يطرح هذا السؤال: علَامَ تستند ملاحظة الأتراك الموجهة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة؟ يمكن أن تتدثر ملاحظة أردوغان ومن ورائه الدولة التركية بالغطاء الإسلامي، كما تفعل إيران في متاجرتها بالقضية الفلسطينية، ولكن دولة الإمارات العربية تتكئ على مقومين اثنين راكزين، الأول عربي قومي، والثاني إسلامي. فمن له الحق الأكبر يا تُرى في أن يمضي قدما في محاولة تمثيل المصالح العربية الإسلامية والتعبير عنها بحثا عن حل؟!

 المنطق يقول إن الفلسطينيين وحدهم من يملكون هذا الحق، وإن الدول العربية التي وافقت بالإجماع على خطة السلام المقترحة من الزعيم العربي الإسلامي الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز هي في المقام الثاني صاحبة هذا الحق بعيدًا عن منطق المزايدات والشعارات الرنانة، فزمن الحروب المقدسة قد ولى وانقضى، وحل القضية الفلسطينية لا يمكن أن يكون إلا دبلوماسيًا في إطار مقررات مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة وخاصة منها القرار 242 الذي يقر بوجود دولتين متجاورتين جغرافيا فلسطين وإسرائيل.

 ما ينبغي أن يعيه أردوغان، ومن خلفه كل الجماعات الراديكالية، فلسطينية وعربية، إسلاموية ويسارية ممن فرطوا في حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على مدى السنوات الماضية، أنه لا يحق لهم عقد المحاكمات الشعبوية لتصدير الأحكام البلهاء وفق الأطر الأيديولوجية الضيقة المتحكمة في عقيدتهم السياسية المتكلسة. فالعالم قد تغير وعلى المواطنين العرب أن يواكبوا التغير الحادث لدى القيادات الشابة في البلدان العربية، فزمن المزايدات السياسية التي تقودها أحزاب راديكالية مثل «حزب الله» والإخوان المسلمين والأحزاب اليسارية الراديكالية انتهى. ثم أليس الأولى بأردوغان أن يقطع علاقاته الدبلوماسية وتعاونه الاستراتيجي والعسكري مع إسرائيل أولا؛ ليسكن المنطق كلامه قبل أن يحتج على دولة عربية متصالحة مع نفسها وواقعها، دولة أحكمت تقدير منطق العلاقات الدولية السليم فأعلنت حرصها على السلم والسلام بتوسيع مجال علاقاتها الدبلوماسية ليشمل دولة لتركيا معها صلات رسمية قديمة؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها