النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11522 السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 7 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

آيا صوفيا بين السياسة والدين

رابط مختصر
العدد 11456 الأربعاء 19 أغسطس 2020 الموافق 29 ذي الحجة 1441

السيد أردوغان، ذو الطموحات الامبراطورية، يستهلك كامل طاقته الذهنية وطاقة فاعلة نشطة من الرصيد الديني-السياسي (ديمغرافية إخوان المسلمين) من أجل إرجاع الهيمنة العثمانية من مقبرة التاريخ على كامل الجغرافيا العربية - الاسلامية، وهذا الجهد الطموح يعتمد على حسابات دينية - تاريخية في الأساس وعلى الطاقة الكامنة في المجتمع التركي، دون أي اعتبار لروحانية الدين ولا لحركة التاريخ ولا لتطور الوعي الجمعي الذي يتخطى كل يوم حدود الأمس ويعمل في يومه للدخول في غده، فكل أمس تاريخ، وكل حاضر تاريخ للغد. هذا هو القانون الحتمي الذي يخطه الزمن في الوجود. القيادة الاخوانية في تركيا تعمل بكل ما أوتيت من قوة، خشنة وناعمة، من أجل التحول التراجعي في تركيا من دولة علمانية إلى دولة سلطنة دينية بمواصفات اخوانية وبرداء عثماني. ودون الدخول في تفاصيل ما تفعله هذه القيادة في داخل تركيا وخارج تركيا، وهي ماثلة لشعوب العالم عامة ولشعوب الدول العربية خاصة، نكشف عن آخر المستجدات الذي خرج من جعبة الاخوانية التورانية (التركية)، وهو رمز امبراطوري من بداية تشييده وعبر محطات التحول الامبراطوري إلى اليوم. هذا الرمز هو صرح معماري عظيم، وأساسه وأهدافه سياسة وليس دينا، وهو رمز الاستغلال السياسي للدين من أجل إعلاء مكانة صاحب المشروع، الامبراطور البيزنطي جستنيان الاول الذي أمر ببنائه عام 532م، وأراد من بناء هذا الصرح المعماري العظيم إثبات تفوقه على أسلافه الرومان الذين كانوا يتربعون على عرش المسيحية الغربية تحت مسمى «الكنيسة الكاثوليكية»، وبعد اكتمال البناء ذكر المؤرخون أنه من شدة إعجاب الامبراطور بهذا الصرح المعماري العظيم قال لحظة دخوله إليه: «يا سليمان لقد تفوقت عليك»، في إشارة إلى النبي سليمان الذي كان يسخّر الجن لإقامة الأبنية العظيمة، بحسب الروايات الدينية. رغم أن الهدف من بناء هذا الصرح المعماري كان امبراطوريًا، إلا أن الصورة المرجوة لتقديمه، إلى العالم عامة وإلى العالم المسيحي خاصة، كانت دينية، فكان لا بد من إلباسه ثوبًا دينيًا منقوشًا عليه اسم كاتدرائي (كنائسي) هو «آيا صوفيا»، أي «الحكمة المقدسة»، وهذا الاسم هو المختصر للاسم الكامل باليونانية (Ναός της Αγίας του Θεού Σοφίας) أي «المعبد المقدس لإله الحكمة». 

آيا صوفيا صرح معماري عظيم باعتراف وإشادة وإعجاب المؤرخين والمعماريين والفنانين، وفي ثمانينات القرن الماضي أُدرج هذا الصرح المعماري على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو». واكتسب أهمية سياحية كبيرة في إسطنبول، وقد تهاتف عليه في العام الماضي وحده قرابة أربعة ملايين سائح وزائر. إن هذه الرائعة المعمارية اللافتة للأنظار المذواقة للفن أقرب إلى مادية السياحة من روحانية العبادة. إن العبادة الصافية الخالصة روحانية في نيتها ومنتهاها، وهي تمازج الروح الفرد بالروح الخالق، ولا مكان بينهما لاهرامات وأبنية معمارية تبهر العيون، والإيمان، بأي دين كان، هو عبادة خالصة، أينما كان المكان، وليس بنيانًا معماريًا ضخمًا بمقياس الملوك والأباطرة. إن مرادف كلمة «كنيسة» في القاموس اليوناني والسرياني والعبري تعني «تجمع أو جمهرة أو طائفة»، وهذا المصطلح هو الوارد بنص صريح في كتاب «العهد الجديد» الذي يتضمن أربعة أناجيل ومجموعة من رسائل دينية ورؤى يوحنا. فمصطلح «معبد»، في مختلف الأديان وبمختلف اللغات يرمز إلى جمع من الناس يؤمنون بعقيدة دينية مشتركة، يؤدون طقوس العبادة في أي مكان آمن دون تحديد طبيعة المكان وهيكلية المكان، فأرض الله الواسعة كلها للعيش والسعي والعبادة، وكل بنيان يرتفع فوق سطح الأرض هو من الانسان للانسان ولا علاقة له بالدين، بل بتمجيد الانسان. 

حافظ هذا الصرح المعماري، منذ بنائه قبل 1500 عام وإلى اليوم، على طبيعته المادية الصرفة رغم الكساء الديني، فهو عند الاباطرة والملوك والسلطة السائدة مُلْكٌ عمراني (مادي) بحت، لا علاقة له بأي دين، سوى الثوب المرسوم عليه اسم الدين. وهذا الثوب الديني قابل للتغيير على هوى من يضع يده على الجسم المعماري. بداية الثوب كان برسم الكنيسة الشرقية الاورثوذكسية، وجاء الغزو الصليبي ليخلع ثوب الكنيسة الشرقية ويلبسه ثوب الكنيسة الغربية الكاثوليكية، ومن ثم يتغير الثوب عودة إلى ثوب الكنيسة الشرقية. 

بعد سقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين في أواخرمايو 1453م، خلع العثمانيون الثوب المسيحي الشرقي عن الجسم العمراني وألبسوه ثوبًا برسم المسجد، وأدى به السلطان محمد الثاني (المعروف باسم محمد الفاتح) أول صلاة جمعة بعد دخوله المدينة، وكان ذلك في الأول من يونيو من العام ذاته، مُصدرًا أوامر بتغطية الرسوم والنقوش المسيحية. الغريب أن العثمانيين لم يغيروا الاسم الأصلي للمبنى، بل أضافوا إليه ثلاث كلمات لتوحي بالملكية الجديدة، فصار الثوب العثماني برسم «آيا صوفيا كبير جامع شريف». 

ما أتعس هذا الصرح العمراني العظيم، كل يوم بيد، من كنيسة شرقية إلى كنيسة غربية، ومن ثم عودة إلى الكنيسة الشرقية، وبعد قرون عدة تتحول ملكية هذا المبنى المسكين إلى مسجد إسلامي بنفس امبراطوري عثماني. وشاءت أقدار التطور البشري أن يصير المبنى تحت سلطة سياسية فصلت الدين عن السياسة بعد انهيار الامبراطورية العثمانية، فاحتارت المؤسسة السياسية الجديدة بقيادة القائد التركي العظيم كمال أتاتورك بشأن هذا الصرح المعماري الضخم، فأعطته المكانة المادية التي تتلاءم مع الطبيعة العمرانية لهذا الصرح العظيم. السلطة العلمانية في الدولة التركية بعد الحرب العالمية الاولى رأت في هرم «آيا صوفيا» صورتها الحقيقية بعد أن خلعت عنها الثوب العثماني، أي ثوب الاستغلال السياسي، وهكذا تحرر المبنى المعماري من الاستغلال السياسي للدين بأن سكن إلى موطنه الطبيعي وهو متحف متعة للناظرين من جميع الأجناس والعقائد والأديان، فهو حق بشري لأنه نتاج عبقرية وجهد بشري. اليوم بعد ما يقارب التسعين عامًا من حرية آيا صوفيا يعلن الرئيس التركي أردوغان عودة المبنى إلى الحضن العثماني الجديد أي إلى الحضيرة السياسية، ومحا اسم «متحف آيا صوفيا» المحفور في المبنى، وألبسه الثوب العثماني السياسو-ديني.

إن «المعبد المقدس لإله الحكمة»، وبالمختصر «آيا صوفيا»، يفيد بما توحي به روح الكلمات أنه صرح يستوعب جميع الناس وجميع الأديان، ومن المجحف بحق البشرية أن تغلق جميع أبوابه، بينما يفتح باب واحد لفئة واحدة دون غيرها. 

آيا صوفيا رمز فاضح لدين السياسة، وعلى هوى السياسة يكون ثوب الدين... فإلى متى سيبقى «آيا صوفيا» مكبلاً بغلال الاستغلال السياسي؟!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها