النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11560 الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

زعامات مفقودة وقضايا مؤجلة

رابط مختصر
العدد 11455 الثلاثاء 18 أغسطس 2020 الموافق 28 ذي الحجة 1441

  • دخل العالم معهم مرحلة الاستقطابات وبناء تحالفات وشراكات جديدة

 

ابتلي العالم بمجتمع دولي وزعامات دولية أتقنت تأجيل القضايا المهمة تجنبًا لدفع ثمنها الباهض سياسيًا واقتصاديًا، فعلى الرغم من معرفة العالم بأطماع إيران وسلوكها المزعزع للاستقرار ونشرها للإرهاب إلا أن المجتمع الدولي وزعامات العالم اختارت تأجيل او تمييع المواجهة، فدفعت بيروت الثمن مرات عديدة ودفع العراق واليمن وسوريا الثمن دمًا ودمارًا، ومازالت المنطقة تدفع الثمن. ويعلم العالم الخطر الآتي من كوريا الشمالية، لكن بالنسبة لهم الأولويات الانتخابية أهم، كما يعلم العالم خطورة تأجيل قضايا خطيرة مثل القضية الفلسطينية، والقضايا المناخية وإصلاح مجلس الأمن واختلال التمثيل فيه، وإلى آخر قائمة القضايا المؤجلة. 

ورثت أمريكا زعامة العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، ولكن كل رؤسائها أجلوا حسم هذه القضايا، ومعهم قضية تمس زعامتها بالدرجة الأولى وهي قضية النمو الصيني المضطرد وفي سلوك وممارسات خطيرة، مثلما اتُهمت به من تلاعب بسعر صرف عملاتها من أجل الحصول على أفضلية تجارية، تبني سياسات الإغراق المُجرمة، تجسس تجاري وأمني وسرقة معلومات بحثية وأسرار كبرى الشركات العالمية، وغيرها من تهم، إلى أن ورث الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب هذه التركة الثقيلة، ولأن خلفيته ليست سياسية لم يفعل كما فعل الذين سبقوه، فصدم العالم بسياسات وتصريحات غير متوقعة، موقفه من حلف الناتو والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران واتفاقية المناخ وغير ذلك الكثير، ومع ذلك يتهمه معارضوه بأنه أفقد أمريكا قدرتها على المبادرة وأثر على مصداقيتها الدولية مع أنه اول رئيس أمريكي يقرر فتح كل تلك الجبهات المؤجلة وبغضّ النظر عن تأثيرها السياسي عليه.

ولو أردنا إعداد جدول لكل رئيس امريكي (بحكم زعامة أمريكا للعالم) والقضايا المصيرية المؤجلة خلال الإدارات المتعاقبة لأدركنا حجم التركة التي استلمها دونالد ترامب، وما بين كل هذه القضايا هناك قضية واحد تكلفة تأجيلها قد تكلف أمريكا زعامتها للعالم، وهي قضية المواجهة الحتمية مع الصين، بالذات بعد تخلي الصين عن سياسة زعيمها الأسبق «اخفي قوتك، وتحمل الوقت». فقضية مواجهة الصين أكثر تعقيدا من مجرد تنافس بين قوة تتزعم العالم وقوة صاعدة. فالصين أصبحت مصنع العالم وأغلب الشركات الامريكية تصنع منتجاتها في الصين، وحجم السوق الصيني يغريهم بالإضافة إلى كون الصين أكبر مستثمر في سندات الخزانة الامريكية بمبلغ يفوق 1.110 ترليون دولار لغاية يناير 2019. فحتى عندما علم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما باختراق الصين وتجسسهم على كبرى الشركات الامريكية وتواصلت ادارته مع هذه الشركات، تم إبلاغه من قبل هذه الشركات أنهم لا يرغبون بالمواجهة، فتكلفة المواجهة تعني خسارتهم للسوق الصيني الكبير واضطرارهم لرفع تكلفة الإنتاج، ما قد يخرجهم من المنافسة، وبسبب هذه الكلفة أجل أوباما المواجهة كما فعل من سبقوه.

إنما المواجهة الحتمية بينهم اليوم لم تعد مقتصرة على الجانب الاقتصادي ولا السياسي، بل أصبحت في العمق الأمني، والمهدّدات الأمنية لم تعد تخفى على المعنيين. ولأننا نعيش ظروف الحرب الباردة فعليًا حتى إن لم تسمى كذلك من قبل المسؤولين، دخل العالم معهم مرحلة الاستقطابات وبناء تحالفات وشراكات جديدة أو تعزيز التحالفات القديمة. فأمريكا فعلت كل أدواتها الناعمة والذكية من إعلام ومنظمات دولية، وضغطت على حلفائها للوقوف معها ضد التصرفات الصينية المرفوضة من قبلهم. كذلك الصين بشكل غير مسبوق فعلت ذات الأدوات وأصبحت أكثر جرأة في مخاطبة شعوب العالم عن طريق دبلوماسييها وشركاتها.

وتعتبر فترة الحروب الباردة فرصة ذهبية للدول النامية لتعزيز نموها ونفوذها والحصول على مكانة دولية أفضل وتُحسن من فرص دعم استقرارها، إلا أنها أيضًا تحمل تحديات كبيرة يجب أن نعيها بما في ذلك الرهان على الحليف الخاطئ أو تكلفة الاستقطاب، أو عدم قدرتنا على الحصول على شروط وفرص تتناسب مع حجم المخاطر. لذلك يجب علينا أن نضع في تصورنا كيف يمكننا أن نستفيد من ظروف الحرب الباردة في وقت قررت فيه أمريكا عدم تأجيل قضايا عالمية مؤجلة لها انعكاساتها علينا بشكل مباشر وغير مباشر.

وإن ما يعنينا بالدرجة الأولى هو مدى توافق مصالحنا معهم، وإنهم ليسوا في صراع بين الخير والشر فنضيع وقتنا بالجدل حول من منهم يمثل الخير ومن يمثل الشر، ولكن لكل منهم مصالحه ومشاريعه واستراتيجياته لحماية وتعزيز هذه المصالح، فإن أتقنا سياسة تشبيك المصالح في مرحلة الحرب الباردة سنمتلك تأثيرًا أكبر بالإمكان توظيفه لصناعة مستقبل أفضل واستقرار أطول ومكانة دولية أقوى. 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها