النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11525 الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 الموافق 10 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

لبنان ما بعد انفجار مرفأ بيروت!

رابط مختصر
العدد 11454 الإثنين 17 أغسطس 2020 الموافق 27 ذي الحجة 1441

«لبيروت من قلبي سلام لبيروت وقبل للبحر والبيوت لصخرة كأنها وجه بحار قديم». جوزيف حرب.

تسبب الانفجار في بيروت بقتل العشرات وجرح ستة آلاف إنسان وعشرين مفقودًا تحت تلك الأنقاض. مشهد بيروت ومحيط المرفأ يثير القلق والحزن والحسرة. 

حتى لحظة كتابة موضوعنا تتدفق كل يوم معلومات متلاحقة عن طبيعة وأسرار ذلك الانفجار ومن السابق لأوانه التأويل والتفسير والتكهن قبل أن يولد تقرير اللجنة المختصة في حادث الانفجار. وهناك تضارب في الآراء حول حجم كمية المواد القابلة للانفجار وهل هناك متفجرات وصواريخ فالأسئلة لا تتوقف وخبراء المتفجرات من كل بلد لديهم تفسيراتهم العلمية سواء من خلال لون الأدخنة او حجم وقوة الانفجار. دون شك المفتاح الأول لإماطة اللثام عن كمية شحنة نترات الأومونيا وهل هناك ايضا أنواع أخرى من المتفجرات حملتها السفينة «روسوس» من جورجيا في طريقها للموزمبيق ولكنها انحرفت نحو مرفأ بيروت لغاية في نفس يعقوب. 

قبطان السفينة ومالكها الروسيان لابد وإنهما شاهدان مهمان مثلما موزمبيق وجورجيا جهات معنية بتأكيد بعض الحقائق منذ سنة النقل 2014، بعد ذلك ليس بإمكان لا القبطان ولا مالك السفينة الناقلة معرفة ماذا حدث لتلك الشحنة خلال السنوات الست، فهناك مسار وأحداث لابد وأنها تمت خلال ظلمة ليل بيروت الخفية بالأسرار. فاذا ما القبطان والأوراق الرسمية تؤكدان أن الشحنة كانت تقدر بـ2750 طنًا متريًا في العام 2014 فإن الخبراء يؤكدون أن الانفجار وقوته لا يزيد عن 300 طن من نترات الأمونيا لا غير، معلنين عن ان انفجار كمية تفوق الفين وسبعمائة طن كفيلة بإمحاء بيروت عن الخارطة. وبذلك «لعب الحظ!» في حجم التدمير وبفضل الفساد والسرقات التي كانت تحدث للعنبر 12 طوال هذه السنوات. 

وستواجه لجنة التحقيق صعوبات كثيرة بسبب المناخ الاداري الفاسد في لبنان وتعدد مراكز القوى في المجتمع. وأمام اللجنة أحد الخيارين، أما إغلاق الملف بسرعة عن طريق تقديم كبش فداء من الموظفين الصغار أو الاستمرار لمدة طويلة في التسويفات حول طبيعة لجنة التحقيق وهل تكون محلية أم دولية. 

تلك الحلقة ستطول والدوران فيها قد يستغرق سنوات طويلة وليس مجرد أيام مستعجلة فامامنا مثال حي لملف اغتيال رفيق الحريري فما بالنا في ملف «اغتيال مرفأ بيروت» كمجتمع إنساني. ولفداحة الكارثة، فإن من نتائجها الأولية خروج آلاف من المتظاهرين في حالة من الغضب المتناهي، بحيث وجدناهم بلا مشروع سياسي محدد ولا مصطلحات واضحة، كل ما قاموا به هو سلسلة من الإجراءات الفوضوية وحرق أوراق وزارات دون معنى، والانتقام الرمزي من تلك الأبنية المتصدعة من جراء الانفجار نفسه.

 الانفعال والغضب تعبير مؤقت عن الأزمة العميقة المتجذرة لسنوات في هياكل ومؤسسات لبنان، وما قاله الشعب اللبناني للرئيس الفرنسي ماكرون يترجم الحالة النفسية والسياسية التي تعامل معها الشارع مع «البطل!» الفرنسي الذي جاء لينتشل لبنان عاطفيًا من خلال خطبته الشعبوية. الزيارة ومغزاها وحدها بحاجة الى مقالة، غير أن المهم الآن ليس تقاذف الأطراف المتنازعة سياسيًا أوراق الاتهام في وجوه بعضهم البعض، فالوضع الآن بحاجة أولوية واساسية لانتشال الشعب وركام المدينة المنكوبة والمذبوحة، والعمل على الحد الأدني من التضامن الانساني بين الشعب اللبناني، فالمأساة شرخت المجتمع برمته ودون استثناء من حيث الضحايا والخسائر. 

كيف ستمضي الأمور خارج التنظير في الاسابيع القادمة مسألة معقدة وضبابية؟ أما إعادة إعمار لبنان وضخ الحياة فيه فهي مسألة أسهل بكثير من حل الخلافات السياسية في بنية دولة هشة من كل الجوانب. 

انفجار مرفأ بيروت لن يكون أكثر دمارًا من قارة أوروبا في الحرب العالمية الثانية مثلما كانت مدن اليابان أشلاء وركامات فظيعة. اختفت مدن في ألمانيا كما هي درسدن وبدت المدن الأوروبية مدن أشباح فكانت أوروبا كلها منكوبة وخسارة الانسانية من الموتى بلغت خمسين مليون قتيل ومائة مليون جريح، ولكن بفضل مشروع مارشال تنفست من جديد المدن الأوروبية واليابانية والكورية وغيرها لتتحرك الدماء في عروق المدن العصرية الحديثة لما بعد الحرب. 

بيروت ستكون معماريًا في نسخة جديدة لما بعد الانفجار، كما أن الروح والفكر والمواقف اللبنانية ستكون حتمًا بحالة مختلفة لوقت طويل خاصة وسط الجيل الشاب الغاضب والعاطل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها