النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11728 الثلاثاء 18 مايو 2021 الموافق 6 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:18PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

مهاجرون وأنصار وطوائف

رابط مختصر
العدد 11454 الإثنين 17 أغسطس 2020 الموافق 27 ذي الحجة 1441

  • مازال لبنان رهينة في أيدي الماضي الأليم، في عهدة حكماء اللحظة وكل لحظة

 

مازال الصدى موجعًا، وردة الفعل مزلزلة، مرفأ بيروت وارتداداته، عين الخطر وأدق مشاهدها، والشارع اللبناني المحترق وضحاياه، هكذا باتت الرؤية ووزارة حسان ترحل، وبديلها يستعد لتكوين الحقائب، وترتيب الأوراق، وتكثيف المشاورات، هل الفاجعة مرشحة للتفاقم، وهل الديناصور الكارثي اللعين قادرًا على وضع البيض المخصب قريبًا من الاحتقان المحايد، وبعيدًا عن الانحيازات «المتحاصصة»؟.

بالتأكيد لا أرى أن الطوائف اللبنانية قد تعلمت من الدرس، وأنها تستعد لحزم حقائبها والرحيل الأبدي من فوق سدة الحكم، وبالتأكيد فإن الأحزاب الحاكمة قد بدأت في إعداد العدة لاستبدال الأقنعة القديمة بأقنعة أخرى «لطيفة»، لكن الوجوه هي ذات الوجوه، والرؤوس هي نفسها الرؤوس، تقسيم للمقسم، وتباديل وتوافيق على الكعكة المتبقة من ثروات ناضبة. 

يظل لـ14 مليون لبناني مهاجر اليد العليا في قلب موازين القوى داخل دولة لا تحكم سوى أربعة ملايين هم لبنانيو الداخل، أما أشقاؤهم في الخارج فإنهم لا يؤمنون على ما يبدو بأي آلية حركة من وإلى الوطن، ليجعلونه أكثر جمالاً وأقل محاصصة، وأوفر قدرة على التعاطي مع قضايا الشارع التي ما لبثت أن تخلت عن ثكناتها، وتركت إرثها وأدوارها، وذهبت إلى المواجهة وأكفانها على أيديها، وأقدارها في مهب الريح.

لبنانيو الخارج قادرون على رأب الأصداع لو أرادوا، وعلى العودة الميمونة لو أحبوا، وعلى إحكام القبضة لو كان بينهم حزب آيل للسقوط، رغم ذلك مازال لبنان رهينة في أيدي الماضي الأليم، في عهدة حكماء اللحظة وكل لحظة، وآباء الحرب الأهلية وكل حرب.

مازال المرفأ مشتعلاً بين الناس، ملء صدورهم وفي أعماق سرائرهم، وفي أدغال معانيهم، ومازال التفجير الآثم باقيًا على العهد، وقابلاً للتكرار، ومازال الفاعل حرًا طليقًا لأنه لا يمثل وطن بقدر ما يتعلق بقش الطائفة، سيظل الوضع هكذا مهيمنًا أو مشبهًا له، أو متشابهًا عليه حتى يزول الخطر، وحتى يذوب الجليد، ربما تأتي لحظة الحساب العسير، وربما يخرج «يونس» النبي من بطن الحوت ليلقن أشقاءنا في الوطن الجريح دروسًا في النجاة من الجب السحيق، وربما يأتي من غار حراء من يمنحنا قدرة عفو إضافية عند المقدرة، وإيمان مضاعف عندما يشتد عودنا بأضعف الإيمان، وربما يكون للواقع اللبناني ذلك الزخم الذي أطلقته نخب لم يخفت ضياؤها، وعقول لم تجف أقلامها، ورؤوس لم تشيخ أفكارها، لكن ما مضى شيء، وما سوف يمضي شيء آخر، ما مضى سيظل راسخًا في ذاكرة السبعينيات حيث حروب شوارع لا تُبقى ولا تذر، وحيث خيالات مآتة في كل حي وكل ضيعة وكل زقاق، وحيث أمل تائه بين نار الله الموقدة في النهار، وتلك التي تنزل بردًا وسلامًا على الجميع أثناء الليل، يد تمسك بالسلاح وأخرى تتهيأ لارتداء الحلة القشيبة ودماء الأبرياء فوقها لم تجف.

هكذا هو لبنان في الماضي، وهكذا سيظل لبنان بعد التفجير العظيم، أمل لا نهاية له حيث المفاوضات والمماحكات والاتصال بجهات أجنبية على أشده، والاستقواء بعريضة عودة الانتداب الفرنسي تدخل حيز التسويق المُخل، وحيث الداخل «المريح» للنقيض المتأهب انقضاضًا على الحُكم يقوم بالأعمال ذاتها التي أعقبت الهول المتفجر من الميناء، جامعًا للقمامة، ومضمدًا للجراح، وممسكًا بأحقية الضبط القضائي لزجاج بعثرته الأماني غير الطيبة، ولجثث ذوبتها النيران المنطوية على نفسها بعد الزلزال المهول.

لبنان لن يعود، لبنان قد يعود، لكنه لن يعود مثلما كان، وقد يعود ولكن، أسئلة في منتهى الطلاقة والحُسن والرشاد، إجابات معلقة على بوابات الموقف العظيم يوم الحساب العسير، أو ساعة الصفر المثيرة، رغم ذلك لا أحدًا يعرف من أين تنطلق رصاصة الرحمة، حيث أعظم النار من مستصغر الشرر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها