النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11487 السبت 19 سبتمبر 2020 الموافق 2 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

انفجار مرفأ بيروت أفزع قبرص

رابط مختصر
العدد 11450 الخميس 13 أغسطس 2020 الموافق 23 ذي الحجة 1441

هزَّ الانفجار المرّوع لمرفأ بيروت ليس لبنان وحدها بل العالم أجمع من هول حجمه وبشاعته وآثاره الإنسانية الموجعة والمفجعة. بقدر ما سنستعين من قاموس اللغة الأدبية من نعوت وتوصيفات لتلك التراجيديا، فإننا لن نفي الموضوع حقه من حيث الكتابة، فأهل لبنان دون غيرهم وحدهم من قالوا وعلقوا بأننا عشنا فترات الحرب الأهلية وما بعدها من انفجارات بما فيها انفجار اغتيال الحريري الضخم، غير أننا مثل انفجار مرفأ بيروت المدوي لم نشهد ولم نسمع ولم نرَ مثيلاً لها في كل تاريخ لبنان والمنطقة. هل نشكر عصر الميديا التي تنقلنا في اللحظة المؤلمة لمعايشة المشهد لتبدأ بعدها قائمة التحليلات والتفسيرات من كل صوب، ويخرج علينا الخبراء والكذابون وكل طوابير الدجل ليتحفونا من أول وهلة بتفسيرات بدت مضحكة قريبة للسخرية كما هو تفسير وجود مفرقات الألعاب النارية في تلك الحاويات في عنبر رقم (12)!! وبمعنى لهجتنا البحرينية «جراخيات!» فعلت في فضاء بيروت ما لم تفعله تلك الغيمة الملونة بلونها البرتغالي والرمادي والأبيض وشكلها الشبيه بلوحة هيروشيما وناغزاكي الشهيرة وبعض الصور الفيتنامية التي كانت القنابل العنقودية المدمرة ترسمها في الفضاء مساحة لوحة سريالية بينما على الأرض هناك أجساد بشرية ممزقة وأفنية وحديد وأسمنت تهاوى على الأرض. 

هذا الانفجار الذي أفزع اللبنانيين، وهم يحتسون قهوتهم كالعادة في شرفاتهم بعد قيلولة صيف حار في أغسطس، وجدوا أنفسهم في حالة صدمة من دوي الانفجار فيما طار البعض ليصطدم بجدران بيته وزجاج النوافذ، وكان الحظ وحده متروكًا في تلك اللحظة ليقرر كيف تدور ساعة الشؤم والوحشية لهؤلاء البشر الذين طوال يومهم يتحدثون عن وضع الليرة والدولار وتدهور حالة المعيشة وزيادة واتساع خط الفقر في بلدهم، كان هم الكورونا وحرارة أغسطس وانعدام الخدمات والمرافق الكافية لانتشال لبنان الجريح، لتفاجئهم المستودعات «السرية!» في المرفأ بحكايات علي بابا، فتلك مغارات لا تفتح إلا بالكود السري «افتح يا سمسم» وتغلق بشفرات العبارات المقدسة. 

فإذا ما كان الانفجار «تاريخي!» من حيث نوعه وحجمه ومؤثراته في تاريخ هذا البلد الصغير، فإن قبرص المحتلة المجاورة كواحدة من بلدان شرق المتوسط لا يمكنها نسيان ذلك الصوت المدوي الذي وصل لفضاء مدنها الساحلية، التي تبعد عن المرفأ 207 كيلومترات بينما تبعد العاصمة القبرصية نيقوسيا مسافة 264 كيلومترًا، كان فزع أهل نيقوسيا فقط أن يسمعوا هول الانفجار وكأنها في منطقة مجاورة داخل البلاد وعلى مسافة أمتار من خطوط التماس، فيما كانت المدن الساحلية القبرصية والمنتجعات السياحية مثل لارنكا وبارالمني وايا نابا فإنهم شاهدوا مرأى العين تلك السحابة الكثيفة التي كانت تنتشر فوق سماء مرفأ بيروت الجريح والمستباح والمختطف.

وكعادته، الشعب القبرصي والمسؤولون في كل أغسطس من كل سنة يعيشون حالة توتر وطوارئ خشية اعتداء متكرر كما حدث من ذكرى الاحتلال الثاني في 14 أغسطس من عام 1974.

ظلت الروح والحالة القبرصية مستنفرة مع شهر أغسطس، فكان الانفجار مخيفًا ومفزعًا لهم حتى ظنوا أنه قادم من الخصوم المحتملين، خاصة وأن الوضع في المنطقة متوتر للغاية نتيجة تدخل تركيا في ليبيا وتحركها الاستفزازي من أجل التنقيب في حدود المياه القبرصية والمصرية. 

هذا الوضع المتوتر استقبلته جزيرة قبرص مع دوي انفجار مرفأ بيروت بنوع من الهلع الواضح، فقد هز الانفجار سياسيًا كل البلدان والأنظمة خاصة الدول المجاورة لبيروت التي كانت «تستحم» في برك الدم والنزيف. 

انفجار بيروت ذكّر القبارصة بتلك الذكرى السيئة في يوليو 2011، فقد مات من جراء الانفجار 13 شخصًا في منطقة (ماري)، حيث تسببت تلك الأسلحة وإهمال تخزينها في قاعدة عسكرية بحرية التي حذَّر المختصون من وجودها حتى إشعار آخر دون النظر لما يمكن أن تخلقه من كارثة. وقد دمر الانفجار في تلك الأسلحة والمتفجرات محطة الكهرباء الرئيسة التي تمد قبرص بالطاقة فخسرت قبرص ثلث الطاقة يومذاك وكلف الحكومة مبالغ طائلة في ظروف اقتصادية صعبة، واستغرق إعادة تصليح المحطة عديد الشهور. 

شكلت قبرص لجنة لمحاسبة رئيس الجمهورية والمسؤولين المدنيين والعسكريين، وكان يومها الشيوعيون يحكمون قبرص. 

ونتيجة الإهمال والتراخي لتقارير بعض المسؤولين العسكرين عن خطورة وجود مثل تلك الشحنة حدثت الكارثة، ولولا وجود بعض الموانع الطبيعية التي خففت من حجم الخسائر. 

كانت من الآثار السلبية لذلك الانفجار في قبرص، أن الحزب (اكيل) خسر الكثير من شعبيته نتيجة ضعفه وبيروقراطيته لإدارة شؤون الدولة، كما خسر الأصوات في انتخابات الرئاسة اللاحقة وخرج من الحكم هذا إلى جانب التصدعات الحزبية بين أعضائه وكوادره.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها